ليست ذكرى المولد النبوي مناسبةً تمرّ على الذاكرة ثم تنقضي، ولا صفحةً من التاريخ نعيد قراءتها كل عام؛ إنها سؤالٌ يتجدد: ماذا بقي في حياتنا من تلك القيم التي جاء بها النبي محمد ﷺ، وكيف يمكن لسيرته أن تتحول من كلمات نرددها إلى أخلاق تسكن المجتمع؟

هذا المعنى العميق كان حاضرًا في الكلمة السامية لجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف؛ إذ لم تقف الكلمة عند حدود الاحتفاء بالمناسبة، وإنما عبرت منها إلى جوهرها الحقيقي: بناء الإنسان.

فحين يستحضر جلالته ما حملته السيرة النبوية من الهداية والعدل ومكارم الأخلاق والرحمة والتعايش والتضامن، فإنه يعيد وضع هذه القيم في قلب الزمن الحاضر، وكأن الرسالة تقول إن المجتمعات لا تُبنى بما تملكه من عمران فحسب، بل بما يحمله إنسانها من خلق، وما يحكم علاقاته من عدل، وما يسكن قلبه من رحمة.

وفي امتداد المعاني الرفيعة التي حملتها الكلمة السامية، يبرز الانتقال من استذكار السيرة إلى العمل بها؛ فالسيرة، كما يوحي الخطاب الملكي، ليست ماضيًا نلتفت إليه بإعجاب، وإنما نورٌ نستعين به ونحن نمشي نحو المستقبل. وما أحوج العالم اليوم، وسط تسارع المتغيرات واشتداد التحديات، إلى ميزان أخلاقي لا يتغير بتغير المصالح، وإلى لغةٍ تعيد للإنسان ثقته بالإنسان.

وفي زمنٍ تتسع فيه مساحات الاختلاف، جاءت الكلمة مؤكدةً أن مواجهة الفرقة لا تكون بمزيد من الفرقة، وأن الكراهية لا تُطفأ بالكراهية، بل بالوسطية والاعتدال والرحمة والمحبة، وبروح الجماعة الواحدة التي تجعل الإصلاح مسؤولية مشتركة.

وهنا تتجاوز الكلمة بعدها الديني إلى بعدها الوطني والإنساني؛ فحين تكون الكلمة أمانة، ويصبح حفظ أمن الناس ووحدتهم مسؤولية، فإن المواطنة نفسها تتحول إلى خلق، والوطن إلى مساحةٍ يتشارك أبناؤها حمايتها لا بالسلاح وحده، بل بحسن القول، ونقاء المقصد، والثقة المتبادلة.

ومن هذا المعنى يطل نهج البحرين الذي أكده جلالة الملك: المحبة والسلام. وهما ليسا شعارين للتجمّل، وإنما فلسفة وطن يعرف أن قوته الحقيقية لا تكمن في أن يتشابه جميع أبنائه، بل في أن يختلفوا دون أن يفترقوا، وأن تتعدد أصواتهم بينما يبقى الوطن هو النغمة التي تجمعها.

وفي حديث جلالته عن البحرين وأهلها، تبرز صورة جميلة لوطن يرى في قيم النبل والطيبة وكرم السجايا إرثًا يجب أن يبقى حيًا. فالأوطان لا تورّث أبناءها الأرض وحدها؛ تورّهم أيضًا طباعها، وأخلاقها، وطريقتها في النظر إلى الآخر.

ولذلك فإن الكلمة السامية في ذكرى المولد النبوي لم تكن خطاب مناسبة بقدر ما كانت دعوةً إلى مراجعة أنفسنا: هل بقيت الرحمة في تفاصيل حياتنا؟ هل أصبح الاختلاف بابًا للحوار أم ذريعةً للخصومة؟ هل ما زالت الكلمة عندنا أمانة؟ وهل نربي أبناءنا على أن الأخلاق ليست زينةً للإنسان، بل أساسًا لوجوده؟

لقد أعاد جلالة الملك في كلمته السيرة النبوية من صفحات الكتب إلى قلب المجتمع، ومن الذاكرة إلى المسؤولية، ومن الاحتفاء إلى الممارسة.

وحين يجد الإنسان في كلمة قائده هذا الحضور الدائم للقيم والمعاني التي تصون المجتمع وتجمع القلوب، يدرك أن وراءها قلبًا يحمل همَّ الوطن، وعينًا لا تغيب عنها تفاصيل ما يحفظ للإنسان روحه وللمجتمع تماسكهولعل أجمل ما يمكن أن نحمله من هذه المناسبة ليس أن نقول إننا أحببنا تلك القيم، بل أن يراها الآخرون فينا.

ويبقى السؤال: كيف نحول ذكرى السيرة من مناسبةٍ في التقويم إلى أثرٍ دائم في الإنسان والمجتمع؟