عاشت البحرين خلال الحرب العالمية الثانية تجربة مبكرة مع معنى الأزمة الشاملة، وصلت الحرب إلى سمائها في أكتوبر 1940م عندما استهدفت الطائرات الإيطالية مصفاة النفط، ثم امتدت آثارها إلى حركة السفن والأسواق ووصول المواد الأساسية، وأصبح تأمين الغذاء واستقرار الأسعار جزءًا من إدارة الدولة اليومية في زمن كانت فيه طرق التجارة نفسها تحت ضغط الحرب.
وفي عام 1942م دخل نظام التقنين إلى حياة البحرينيين، ظهرت بطاقات التموين، ونظمت الحكومة توزيع الأرز والسكر والطحين والقمح، وربطت الحصص بعدد أفراد الأسرة، وحددت منافذ البيع، وراقبت الأسعار وحركة السلع، في محاولة لضمان وصول المواد الأساسية إلى الناس بصورة منتظمة خلال سنوات شديدة الاضطراب.
تستوقفني في وثائق تلك المرحلة إشارة وردت في التقرير السنوي لحكومة البحرين، تفيد بأن تطبيق التقنين جرى بسلاسة أكبر مما كان متوقعاً، وهذه العبارة القصيرة تفتح باباً واسعاً لفهم جانب مهم من تاريخنا الاجتماعي، فنجاح الإجراءات ارتبط بقدرة المجتمع على استيعاب ظروف المرحلة والتعامل معها بوعي، وتحولت استجابة الناس إلى عنصر يساعد الدولة في إدارة الأزمة. بعد أكثر من ثمانين عامًا تطورت أدوات البحرين كثيراً، توسعت قدرات التخزين، وتقدمت أنظمة الإنذار والاتصال، وأصبحت متابعة الأسواق وسلاسل الإمداد أكثر سرعة ودقة، ومع كل هذا التطور يبقى سلوك المواطن حاضراً في معادلة الأمن والاستقرار.
وقد ظهر ذلك خلال التطورات الإقليمية الأخيرة، حين واصلت مؤسسات الدولة أعمالها، وتابعت الجهات المختصة وفرة السلع والمخزون الغذائي والأسعار، بينما تعامل المجتمع بدرجة عالية من المسؤولية مع الظروف الاستثنائية، واستمرت حركة الحياة والعمل والأسواق وسط أجواء كان يمكن للقلق والشائعات أن تضاعف أثرها.
في مثل هذه اللحظات يصبح وعي المواطن جزءاً من الجبهة الداخلية، لأن الخبر الذي يعاد نشره يصل إلى آلاف الأشخاص خلال دقائق، والاندفاع نحو الشراء ينعكس سريعاً على السوق، بينما يمنح الهدوء والثقة بالمؤسسات الجهات المعنية مساحة أوسع لإدارة الموقف بكفاءة.
ولهذا تستحق تجربة البحرين القديمة مع التقنين أن تعود إلى الذاكرة الوطنية، فهي تقدم مثالًا على مجتمع واجه أزمة عالمية بأدوات زمنه، ثم راكم عبر العقود خبرة جديدة مع كل أزمة مرت بالمنطقة.
وحين ننظر اليوم إلى بطاقة التموين التي حملها البحريني قبل أكثر من ثمانية عقود، ثم ننظر إلى منظومات الأمن الغذائي والطوارئ الحديثة، نرى مساراً طويلاً من الخبرة الوطنية، ونفهم أن صلابة الجبهة الداخلية تبدأ من الدولة ومؤسساتها، ويمنحها وعي المواطن قدرتها على الصمود.
وقد قدمت اليابان بعد زلزال وتسونامي 2011م مثالاً شهيراً على هذا المعنى، حين واجه المجتمع واحدة من أكبر الكوارث في تاريخه الحديث، وسط دمار واسع ونزوح مئات الآلاف وأزمة نووية في فوكوشيما، ومع ذلك برزت قدرة المجتمع على التنظيم والتعاون والالتزام، وهي خبرة دفعت اليابان لاحقًا إلى توسيع مشاركة السكان أنفسهم في خطط إدارة الكوارث والتدريب عليها.
الأزمات الكبرى تكشف أشياء كثيرة عن الدول، وتكشف أكثر عن المجتمعات، ففي ساعات الخطر تصبح طريقة تصرف المواطن جزءاً من قوة وطنه، ويصبح الهدوء موقفاً، والوعي مسؤولية، والثقة بالمؤسسات عنصراً من عناصر الأمن.
لهذا حين نستعيد قصة التقنين في البحرين خلال الأربعينيات، فنحن نستعيد درساً يتجاوز بطاقة التموين نفسها، درساً يقول إن الأوطان تدخل الأزمات بمؤسساتها وخططها، وتعبرها أيضاً بوعي أهلها.
وهذه ربما أهم ذاكرة ينبغي أن نحفظها للأجيال القادمة.