الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قال مؤخراً إن بلاده يجب ألا تتأخر في إقامة علاقات طيبة مع دول الجوار، يقصد دول الخليج العربي، وأن عليها إصلاح نظرتها للوصول إلى «لغة مشتركة» معها تضمن أمن المنطقة.
لربما تكون هذه المرة العاشرة التي يخرج فيها الرئيس الإيراني ليقول كلاماً بنفس المضمون، وبدورنا نعيد عليه نفس السؤال، إذ قبل أي حديث معني بالمصالح والعلاقات والدبلوماسية، هل نسيت ماذا فعلت بلادك بشأن تهديد دولنا، وتحديداً استهدافكم الإرهابي لنا بالصواريخ والمسيرات؟!
المشكلة أن هذه ليست المرة الأولى التي نسمع فيها من بزشكيان كلاماً جميلاً عنَّا نحن جيرانه، ثم نرى على الأرض شيئاً مختلفاً تماماً.
بدأها في السابع من مارس الماضي، وبعد أيام من الهجمات الإيرانية الأولى علينا، خرج بزشكيان شخصياً ليعتذر لدولنا الخليجية، وقال إن إيران لا تنوي مهاجمتها، وإن هذه الدول بالنسبة إليهم «إخوة». بل أعلن أن القيادة الإيرانية أصدرت تعليمات بوقف الهجمات عليها. لكن حتى في اليوم نفسه الذي صدر فيه الاعتذار، كانت هناك هجمات جديدة باتجاه دولنا!
وفي يوليو، أعلنت دول مجلس التعاون والأردن رسمياً أن الاعتداءات الإيرانية على أراضيها ومواطنيها وبنيتها التحتية المدنية منذ 28 فبراير استمرت، بل استمرت حتى بعد مذكرة التفاهم التي وقعتها إيران مع الولايات المتحدة في يونيو، وشملت منشآت طاقة ومحطات تحلية وموانئ ومطارات وغيرها من الأعيان المدنية.
وقتها قلنا بأننا لسنا نتعامل مع «انفصام» إيراني بشأن إطلاق التصريحات المتناقضة، بل نحن أمام أزمة مصداقية مع نظام غدار وكاذب متقصد، نظام يثبت يومياً -كفرع سياسي- أنه لا يمسك زمام الأمور، بل نظام يحكمه العسكر ولا يقوى على مخالفة إرادة الحرس الثوري.
المفارقة، أن السياسيين الإيرانيين مازالوا يتعاملون مع دولنا كأن الوضع يمكن حله بتصريح لطيف، أو اعتذار كاذب، أو جمل منسقة منمقة عن الأخوة وحسن الجوار، ثم تعود الصواريخ والمسيرات لتستهدف أمننا وشعوبنا ومصانعنا ومطاراتنا، وتركز على ضرب اقتصادياتنا.
طهران تراهن على أمر تعرفه جيداً، لكنها تحاول تغييب الصورة الحقيقية بشأنه، تعرف تماماً أن دولنا ليست دول عدوان، دولنا لم تبدأ طوال هذه العقود حرباً على إيران، ولم ترسل ميليشيات لتخريب الداخل الإيراني، ولم تجعل من إسقاط النظام الإيراني مشروعاً سياسياً لها.
بل حتى قبل هذه الحرب، كان الموقف الخليجي الرسمي يتكرر بشكل ثابت، إذ هو دائماً وأبداً يدعو إلى علاقات طبيعية مع إيران تقوم على حسن الجوار، واحترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وعدم استخدام القوة أو التهديد بها، وتسوية الخلافات بالطرق السلمية. هذه المبادئ أعاد مجلس التعاون الخليجي تأكيدها مراراً في بياناته الرسمية قبل الحرب.
لكن إيران كانت تسمع الكلام، ثم تفعل ما تريد. ولهذا أخطأ بعض السياسيين الإيرانيين حين ظنوا أن هدوء دول الخليج العربي وأخلاقها السياسية يمكن تفسيرهما باعتبارهما نسياناً أو استعداداً لقبول الرواية الإيرانية، أو بالأصح «الكذبة» في كل مرة.
نعم، الخليج لا يبدأ العداء، لكنه أيضاً لا ينسى من اعتدى عليه. والأرقام هنا لا تحتاج إلى تحليل وتفسير مطول. إذ نحو 83٪ من الهجمات الإيرانية بالصواريخ والمسيرات استهدفت دول الخليج العربية، مقابل 17 ٪ فقط استهدفت إسرائيل. والأخيرة إن كانت هي العدو الذي تقول إيران إن حربها الأساسية موجهة إليها، وإذا كان الخطاب الإيراني يقدم هذه الحرب منذ البداية تحت عناوين مواجهة إسرائيل والدفاع عن فلسطين، فكيف انتهت الصواريخ والمسيرات، إلى دول الخليج العربي بأضعاف ما انتهت إلى إسرائيل؟!
أي منطق سياسي يمكن أن يفسر ذلك؟! ثم تأتي إيران بعد كل هذا لتطلب من هذه الدول أن تبدأ معها صفحة علاقات طيبة!
اليوم علينا أن نقرأ أيضاً توقيت كلام بزشكيان. هو لم يتحدث فقط عن الجوار، إذ في التصريحات نفسها اعترف بأن الصادرات والواردات الإيرانية انخفضت بنحو 35٪ بسبب العقوبات والحصار، فيما بلغ التضخم السنوي وفق البيانات الأخيرة 66٪.
هل اكتشفت طهران فجأة قيمة حسن الجوار؟! أم أنها اكتشفت حجم الكلفة التي بدأت تدفعها عندما ضاق عليها الاقتصاد واشتد الحصار وتراجعت التجارة؟! هل نسمع اليوم خطاب «الجيران» لأن السياسة الإيرانية تغيرت فعلاً؟! أم لأن إيران تبحث عن نوافذ اقتصادية وسياسية تساعدها على التنفس؟!
نحن كشعوب خليجية نستطيع أن نفرق تماماً بين إيران كبلد وشعب، وبين النظام الذي يدير سياستها. كبشر نتعاطف مع المواطن الإيراني المغلوب على أمره والذي ترتفع عليه الأسعار، وتتآكل قدرته الشرائية، ويدفع ثمن الحرب والعقوبات والسياسات العدائية لنظامه. لكن التعاطف الإنساني مع الشعب الإيراني شيء، والتعويل على الثقة السياسية بالنظام الإيراني شيء مختلف تماماً.
الثقة تبدأ حين تتوقف الصواريخ والمسيرات، وحين تتوقف سياسة التدخل في شؤون الدول الأخرى، وحين يصبح مضيق هرمز ممراً دولياً آمناً لا ورقة ابتزاز. والأهم حين تتحول عبارة «حسن الجوار» من «مغازلات» يسردها بزشكيان أمام الكاميرات، إلى سياسة واقعية متحققة تلتزم بها إيران بأفعالها.