استمعتُ إلى لقاءٍ أجرته منصة «مزيج» مع ابن القطيف الأستاذ حسن مصطفى، وهو باحث سعودي، امتد لثلاث ساعات؛ حديثٌ لا يُملّ منه لشخص شيعي متحصّن ومتمسك وفخورٌ بسعوديته، ومؤمنٌ بالدولة الوطنية كمظلة جامعة وشاملة للأطياف المتعددة المتعايشة على أرض واحدة. ميزته أنه شخص مقرب من المرجعيات العراقية النجفية المؤمنة -مثلِهِ- بالدولة الوطنية، سواء كانت عراقية أم سعودية. وهذا النوع من الأشخاص دائماً ما تطرح دول الخليج عنه هذا السؤال: «كيف نُكثر من أمثالك؟».

له تجربة إعلامية ثرية، وتجربة مع برنامج «بناء» الموجه للمساجين في سجن المنطقة الشرقية، وبالأخص المنتمين لجماعات شيعية إرهابية، لكنه تعامل مع أشخاص كانوا منتمين للقاعدة وداعش أيضاً؛ فللتغرير وجه واحد في الحالتين.

الساعات الثلاث التي استمتعتُ فيها باللقاء تعلمتُ منها الكثير، تعلمت عن خارطة المرجعيات وتنافسها بين النجف وقم، وخارطة الحشد الشعبي ومَن منهم ينتمي للميليشيات، والفصائل العراقية المنتمية للمرجعيات العراقية التي سلّمت سلاحها للدولة، والتابعين لمرجعية قم وهم الرافضون لتسليم سلاحهم.

ينطلق الأستاذ حسن في حديثه من واقع الخبرة والدراية والاطلاع على خريطة التجنيد الإيرانية-العراقية للشباب الخليجي على مدار العقود الماضية، منذ بداية الثورة الإيرانية إلى اليوم، وكيف تشابكت المصالح الإيرانية مع بعض شيعة الخليج وتوظيفهم في عمليات إرهابية منذ الثمانينيات خدمةً للمشروع الإيراني. حتى إن أحد المقبوض عليهم في الثمانينيات قيل له أثناء التحقيق: «هل سترتدع بعد خروجك؟»، فقال: «لا، إنما سأتوقف حين تتوقف الحرب على إيران! وكانت الحرب العراقية الإيرانية حينها مستعرة».

وهذا الدافع -أي خدمة المصلحة الإيرانية- مستمر إلى اليوم، وقد برز في الأحداث الأخيرة بشكل ظاهر بعد ربطه بأهداف دينية تُستغل لاستدراج شباب الدول الخليجية، ومنهم العديد من البحرينيين الذين وقعوا ضحية هذا الخلط المسموم، مما أدى لوقوفهم ضد أمن دولهم وسلامة أبناء مجتمعاتهم خدمةً لإيران.

كما يوضح كيف أصبحت العراق بعد سقوط صدام حسين ميدان التدريب المعتمد للشباب الخليجي، ويحدثك الأستاذ حسن مصطفى عن الذرائع والحجج (الشرعية) التي تُستخدم لاستدراج هؤلاء الشباب أثناء زيارتهم للعتبات والمقدسات في العراق، وكيف يرد عليها -وهو الشيعي الوطني-من منطلقات فقهية مسندة إلى مرجعياتها، لا سيما أنه على اطلاع واسع بالخلافات الفقهية، سواء بين المراجع الشيعية أنفسهم أو بين حوزتي النجف وقم.

أمثال حسن مصطفى في المملكة العربية السعودية وجعفر سلمان في البحرين وهناك أسماء من العراق موجودون وفقاً لكلامه ووفقاً لكلام جعفر سلمان أيضاً وفي بقية دول الخليج؛ لذلك فإن هذا هو الوقت المناسب جداً لتوسيع رقعة أمثالهم إعلامياً، وذلك بتبادل التجارب مع الخليجيين منهم والعراقيين وعمل برنامج استضافات متبادلة، كي تتسع المدارك وتنفتح المزيد من النوافذ لمواجهة السرديات المضادة للدولة الخليجية.

فالاستماع لحسن مصطفى وهو يدافع عن الدولة السعودية الوطنية وعن سياستها، سواء من منطلقات تاريخية أو معاصرة، تجده يرد فيه على السرديات التي شيطنت دولته لدى الأوساط الشيعية الخليجية والعراقية وحتى الإيرانية بسلاسة وبحجج قوية؛ هو استماعٌ لمنطقٍ وعقلٍ محاجج ومنافح عن أفكاره وآرائه.

وهناك عراقيون شيعة أيضاً مدافعون عن الدولة الوطنية، فليست الأوساط الشيعية وحدها من هي بحاجة لسماع هذه الأصوات، بل إن الجماعات الأخرى بحاجة أيضاً إلى رؤية هذا التيار الوطني الشيعي تتسع رقعته وتتمدد، فيقطع بحدّه السرديات التي تضع الطائفة كلها في بوتقة واحدة، ليردّ على السرديات الخطرة التي قسمت مجتمعاتنا، فجعلت «السني داعشياً» و»الشيعي خائناً» وكأنها مسلمات.

أنصح بمتابعة المقابلة، كما أنصح بتبادل التجارب مع شيعة وطنيين من الكويت والعراق؛ فهؤلاء بحاجة إلى أن يستفيدوا من تجارب بعضهم بعضاً، ودولهم بحاجة للاستفادة من إبداعهم وجرأتهم وحبهم ودفاعهم عن الدولة الوطنية، ليسمعهم كل شاب سني أو شيعي تجذبه الجماعات الدينية إلى خارج حدود أوطانهم.