أتابع باهتمام حلقات برنامج «فصل المقال»، الذي يقدمه الإعلامي محمد الملا على قناة «العربية»، ويستضيف فيه وزير الإعلام الكويتي السابق سامي النصف، صاحب الثقافة الواسعة والأسلوب السردي اللافت. وتتناول حلقات البرنامج موضوعات متعددة ترتبط بأحداث المرحلة الراهنة في المنطقة العربية، وجذورها التاريخية، وأسبابها، وما ترتب عليها من آثار.

دارت الحلقة الأخيرة حول اتفاقية «سايكس–بيكو» التي أُبرمت سراً عام 1916 بين بريطانيا وفرنسا، بموافقة روسيا القيصرية، بهدف اقتسام مناطق النفوذ في أجزاء من أراضي الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى.

وقد ظلّت هذه الاتفاقية حاضرة بقوة في الوعي السياسي العربي، بوصفها رمزاً لتقسيم المنطقة وإجهاض مشروع الوحدة العربية.

وعلى الرغم من أن سايكس–بيكو أُشبعت بحثاً ونقاشاً على مدى عقود، فإن سامي النصف قدّم قراءة مغايرة لها ولنتائجها، تستحق التأمل والنقاش.

يرى النصف، أولاً، أن الوجود البريطاني والفرنسي في المنطقة، أسهم في نشر التعليم الحديث ووضع أسس بعض أجهزة الدولة العربية المعاصرة، وهي تطورات لم تتحقق بالمستوى نفسه خلال قرون الحكم العثماني. وبهذا يسلط الضوء على جانب من تجربة الوجود البريطاني والفرنسي قلّما يحظى بالاهتمام في النقاشات العربية، التي تركز عادة على سلبيات الاستعمار وممارساته دون غيرها.

ويرى النصف، ثانياً، أن الوجود الأجنبي في الأراضي العربية بعد سقوط الدولة العثمانية ساهم في تحفيز الشعور الوطني والقومي لدى العرب. ويستشهد بالتجربة السورية، حين حاول الفرنسيون تقسيم سوريا إلى عدد من الكيانات على أسس جغرافية وطائفية، من بينها دولتا دمشق وحلب ودولة جبل الدروز ودولة العلويين، إلا أن قوى وطنية سورية واسعة رفضت هذا المخطط، وتمسكت بوحدة الأراضي السورية، لتظل سوريا دولة جامعة للعديد من الطوائف والمكونات الاجتماعية.

أما النقطة الأهم في طرح النصف، فهي انتقاده الشديد لاستمرار بعض العرب في تعليق فشلهم في تحقيق النهضة والتقدم على سايكس-بيكو أو الاستعمار أو حتى وجود إسرائيل في المنطقة. فهو يرى أن ذلك يمثل تهرباً من المسؤولية ومحاولة لتحميل التاريخ والآخرين أسباب التأخر العربي المستمر في مختلف مجالات التنمية.

واعتقد، أن الأجيال الشابة في كثير من البلدان العربية بدأت تتجاوز، إلى حد كبير، خطاب إلقاء اللائمة على الاستعمار وغيره من العوامل الخارجية، باستثناء قضية إسرائيل التي ما زالت تحتفظ بمكانة خاصة في الوعي العربي، نظراً لاستمرار الصراع وارتباطه بأحداث سياسية وإنسانية لم تُحسم بعد. ويعود هذا التحول، في جانب منه، إلى مرور سنوات طويلة على أحداث الحرب العالمية الأولى والاتفاقات التي تلتها؛ فقد أصبحت تلك الوقائع بعيدة زمنياً عن التجربة المباشرة للأجيال الجديدة، ولم تعد حاضرة لديها بالحدة نفسها التي كانت عليها لدى الأجيال السابقة.

بل إن شعوب العرب الحالية أصبحت، من وجهة نظري، أقرب إلى «المستعمر» مما كانت عليه في أي وقت مضى. فهناك الكثير ممن أرسل أبناءه للدراسة في البلدان الغربية، فتشربوا علومها وثقافتها واستوعبوا أهمية التعامل معها والانفتاح عليها، وهناك من ترك بلده وهاجر إلى تلك البلدان، أو يسعى سعياً دؤوباً إلى الهجرة إليها. ولم يعد الغرب، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من العرب، ذلك «البعبع» الذي تُختزل فيه أسباب الأزمات، بل أصبح نموذجاً مغرياً للحياة والتعليم والعمل والاستقرار. وهذه المفارقة تكشف أن العلاقة بالغرب تجاوزت، لدى كثيرين، مسألة العداء وأصبحت علاقة تقوم على الإعجاب والاستفادة والطموح، إلى جانب النقد والاختلاف.

إن طرح سامي النصف يعيد النظر في سرديات توارثها العرب عبر عقود، ويضعه ضمن تيار النقد الذاتي في الفكر العربي الحديث، وهو تيار يميل إلى الواقعية في التشخيص والتحليل، ولا يكتفي بالعيش في الماضي أو إلقاء اللوم على الآخرين. والنقد المتوازن لا يعني التقليل من أثر التدخلات الخارجية في منطقتنا، بل يعني رفض تحويلها إلى شماعة دائمة تعفينا من مسؤولية إصلاح الحاضر. فالتاريخ قد يفسر جانباً من أزمات العرب، لكنه لا يستطيع أن يبرر استمرارها إلى ما لا نهاية.