لفت انتباهي مؤخراً خبر نشرته إحدى منصات التواصل الاجتماعي، حمل عنواناً مثيراً للاهتمام: «نصف العاملين الخليجيين في السعودية.. بحرينيون».
وبحسب ما ورد في الخبر، يعمل في المملكة العربية السعودية الشقيقة 3,567 بحريني من أصل 7,186 خليجي، أي ما يقارب نصف العاملين الخليجيين هناك، فيما تأتي دولة الكويت الشقيقة في المرتبة الثانية ثم دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة.
قد يمر البعض على هذا الرقم مرور الكرام، لكنني توقفت عنده قليلاً. ليس فقط بسبب الرقم نفسه، وإنما بسبب السؤال الذي يطرحه: إذا كان البحريني قادراً على المنافسة في سوق عمل كبير مثل السوق السعودي، فلماذا لا ننظر إلى السوق الخليجي كله كفرصة أمام الكفاءة البحرينية؟
هذا السؤال يصبح أكثر أهمية عندما ننظر إلى واقع سوق العمل لدينا.
فخلال عام 2025، بلغ عدد الباحثين عن عمل المسجلين لدى وزارة العمل نحو 15,433 باحث وباحثة، فيما بلغ عدد خريجي جامعة البحرين وحدها 5,783 خريج، دون احتساب خريجي الجامعات الخاصة. وفي المقابل، بلغ عدد البحرينيين المسجلين في سوق العمل بالقطاعين العام والخاص خلال الربع الأول من العام نفسه نحو 155,588 مواطن.
الأرقام كثيرة، وقد يختلف الناس في تفسيرها، لكن هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها: كل عام يدخل إلى سوق العمل خريجون جدد، بينما لا يستطيع السوق المحلي وحده أن يستوعب الجميع بالوتيرة نفسها.
وهنا، في رأيي، نحتاج إلى تغيير طريقة تفكيرنا قليلاً.
اعتدنا أن ننظر إلى مشكلة البطالة من داخل حدود البحرين، فنبحث عن وظيفة لكل بحريني داخل السوق المحلي. وهذا أمر طبيعي ومطلوب، ولكن ماذا لو وسعنا دائرة البحث قليلاً؟ ماذا لو اعتبرنا سوق مجلس التعاون كله مجالاً يمكن للبحريني أن يعمل فيه، من دون أن يعني ذلك بأي حال من الأحوال التخلي عن مسؤوليتنا في تطوير سوق العمل المحلي؟
أعرف أن البعض قد يعترض ويقول إن أعداد البحرينيين العاملين في دول الخليج لا تزال محدودة، وإن «تصدير العمالة» لا يمكن أن يكون حلاً لمشكلة البطالة. وأنا أتفق مع ذلك.
لكنني لا أطرح الفكرة باعتبارها الحل الوحيد، وإنما باعتبارها باباً آخر يمكن فتحه والاستفادة منه.
لدينا حولنا أسواق كبيرة، وفي مقدمتها السعودية والإمارات، تستقطب سنوياً آلاف الكفاءات من مختلف دول العالم. وأعرف شخصياً نماذج بحرينية متميزة وجدت فرصاً حقيقية في الإمارات، ونجحت في مواقع علمية ومهنية مرموقة.
وهذا يجعلني أتساءل مرة أخرى: لماذا لا نعرف بصورة أدق ما الذي تحتاجه أسواق العمل الخليجية، ثم نهيئ أبناءنا لهذه الاحتياجات؟
ربما لا نحتاج إلى اختراع شيء جديد. نحتاج فقط إلى تنسيق أفضل بين التعليم والتدريب وسوق العمل، وإلى أن نعرف مسبقاً ما هي التخصصات والمهارات المطلوبة في السعودية والإمارات وبقية دول الخليج.
وهنا يمكن للشركات العالمية ومتعددة الجنسيات الموجودة في البحرين أن تؤدي دوراً مهماً. فإذا كان لهذه الشركات فروع في دول الخليج، فلماذا لا تكون الكفاءات البحرينية جزءاً من هذا الانتشار؟ ولماذا لا نستفيد من البحرينيين الذين اكتسبوا خبرات خارجية في تدريب وتأهيل خريجين جدد يرغبون في دخول تلك الأسواق؟
يمكن أن تتحول الفكرة إلى برنامج عملي: تدريب، وتأهيل، وإرشاد، وربط مباشر بين الخريجين والشركات التي لديها احتياجات فعلية في دول الخليج.
والأهم من ذلك كله أن نجاح البحرينيين في الخارج يحمل رسالة مهمة لنا في الداخل: الكفاءة البحرينية قادرة على المنافسة عندما تتاح لها الفرصة.
قد لا يرغب كل خريج في مغادرة البحرين، وهذا أمر مفهوم. وقد لا تكون كل الوظائف الخارجية مناسبة للجميع. لكنني على يقين بأن هناك شباباً وشابات مستعدين لخوض هذه التجربة، إذا وجدوا من يرشدهم إليها ويساعدهم على الاستعداد لها.
لذلك، ربما آن الأوان لأن نتوقف قليلاً عن النظر إلى سوق العمل الخليجي باعتباره أسواقاً منفصلة، وأن ننظر إليه في إطار أوسع من التكامل الذي قام عليه مجلس التعاون.
لا أعتقد أن الحل يكمن في أن نطلب من البحريني أن يبحث عن عمل خارج وطنه، وإنما في أن نعطيه خياراً إضافياً وفرصة أوسع للمنافسة.
فبدلاً من أن يكون سؤالنا دائماً:
«أين سنوظف خريجينا؟»
ربما يجب أن نسأل أيضاً:
«أين يحتاج الخليج إلى خريجينا؟»
وهذا، في رأيي، سؤال يستحق أن نبحث عن إجابته بجدية.
* قبطان - رئيس تحرير جريدة «ديلي تربيون» الإنجليزية