خرجت رسالة مكتوبة منسوبة إلى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي تحذر من أي كلام «يبعث على اليأس» أو يُضعف الدوافع الوطنية والعامة في إيران، وتُعلن بشكل قاطع منع أي فعل يضر بالتماسك الاجتماعي.

كلام يأتي من رجل لم يظهر طوال ستة أشهر منذ إصابته في هجمات 28 فبراير التي قتل فيها والده علي خامنئي، وتوليه موقع المرشد الأعلى خلفاً له، لم يظهر لا بصورة ولا بصوت ولا بفيديو، باستثناء فيديوات قديمة يبثها الإعلام الإيراني بهدف إثبات وجوده.

ليس مهماً هنا البحث عن سر الغياب، بل لماذا وجه هذا الخطاب تحديداً؟! ما الذي يحصل في إيران حتى تصدر مثل هذه الرسائل؟!

الاقتصاد والمعيشة هو المهم؛ فالتضخم السنوي وصل إلى 66%، والرئيس الإيراني اعترف بتراجع التجارة الخارجية بنحو 35% والحكومة تبحث رفع أسعار البنزين، فيما تعيش البلاد تحت ضغط العقوبات والحصار والحرب.

طيب، ماذا تريد القيادة الإيرانية من المواطن أن يقول؟!

الرئاسة تقول بأن الأسعار ترتفع، والمرشد يطلب من المواطن ألا يكون محبطاً! الرئاسة تعترف بأن البطالة والأسعار والطاقة والخدمات أصبحت تحديات كبرى، ثم يقول المرشد بأن الحديث عن هذه التحديات تهديد للتماسك الاجتماعي.

المرشد الإيراني، بدلاً من أن يسمح للمجتمع بالتنفيس عن غضبه ومحاسبة السياسات التي أوصلته إلى هذه المرحلة، يطلب زيادة مساحة القمع كلما زادت الضغوط، بذريعة ألا يدخل الإحباط لنفوس الشعب. هو صاحب الشقق الفاخرة اللندنية وتحديداً في شارع «هاي ستريت كينزنغتون» بالقرب من السفارة الإسرائيلية، والتي يُقدر سعرها بالملايين، لكنه يطلب من الشعب تحمل الضغوط والفقر والمعاناة الاقتصادية التي زادت بسبب ما يحصل حالياً وأساسه السياسات العدائية ومنح الحرس الثوري والعساكر حرية التصرف بأسلوب متهور ومجنون في استعداء العالم.

منظمة العفو الدولية قالت في مايو إن السلطات الإيرانية اعتقلت تعسفياً أكثر من ستة آلاف شخص منذ بدء الحرب، بينهم محتجون وصحفيون ومحامون ومدافعون عن حقوق الإنسان ومعارضون. وذكرت المنظمة أن الفترة نفسها شهدت ما لا يقل عن 39 إعداماً سياسياً، إضافة إلى محاكمات سريعة ومخاوف من التعذيب والاختفاء القسري وانتزاع الاعترافات بالقوة. كما استمر قطع الإنترنت على نطاق واسع لمدة 88 يوماً.

وقبل أيام فقط، قالت حملة حقوق الإنسان في إيران إن أحكاماً طويلة بالسجن وأحكاماً بالإعدام مازالت تصدر في محاكمات تعتبرها ذات دوافع سياسية ومن دون ضمانات المحاكمة العادلة، وإن تهم «الأمن القومي» تُستخدم على نطاق متزايد لتجريم المعارضة.

هم أمام أزمة اقتصادية تكبر، ما يعني ضيق اجتماعي يتزايد، أي هناك بالضرورة خوف من غضب شعبي يكبر. وكالعادة لن تتعامل معه إيران إلا بالقمع والتنكيل.

بموازاة ذلك، تعيين حسين طائب مؤخراً على رأس قوات «الباسيج» مؤشر خطير. ولمن لا يعرفه، طائب شخصية أمنية متشددة سبق أن قاد الباسيج خلال قمع احتجاجات 2009، واعتبرت وكالة «أسوشيتد برس» عودته إلى هذا الموقع مؤشراً على استعداد مسبق لأي اضطرابات داخلية محتملة مع اتساع التذمر الاقتصادي.

وسط ذلك كله ظهر استطلاع واسع عبر حساب «إيران إنترناشيونال» على إنستغرام شارك فيه قرابة 100 ألف شخص، وقال 83% منهم إنهم سيهاجرون من إيران إذا سنحت لهم الفرصة.

هذا ليس استطلاعاً علمياً ممثلاً لكل الإيرانيين، ولا يصح تحويله إلى حكم على 87 مليون إنسان، لكنه يبقى مؤشراً لافتاً حين يشارك فيه هذا العدد الكبير وتدور أغلب الأسباب المذكورة حول الغلاء، والقيود الاجتماعية، وانسداد الأفق، وعدم القدرة على رؤية مستقبل مستقر. والجملة التي كتبها أحد المشاركين تختصر المأساة كلها، حيث كتب: «في السابق لم يكن لدينا المال للهجرة، والآن لا نملك المال لنعيش».

هذا الإحباط الذي يخشاه مجتبى خامنئي، وطبعاً قادة العسكر حوله، هذا إن لم يكن هم من كتبوا البيان. هذا الإحباط نتيجة سنوات من تقديم المشروع السياسي والعسكري للنظام على حياة الإنسان الإيراني. نتيجة إنفاق هائل على الصراعات الخارجية. نتيجة اقتصاد يعاني العقوبات والفساد وسوء الإدارة. نتيجة مجتمع يخشى أن يصبح اعتراضه تهمة توجب إعدامه أو سجنه.

مجتبى لا يختلف عمن سبقه، إذ النظام الإيراني حينما يشعر بأن الناس فقدوا الأمل يقوم بممارسة القمع والتنكيل، وهو بتوجيه هذا الكلام الظاهر على وسائل الإعلام وكأنه دعوة «للصبر» على الوضع، فهو في أساسه «منع» للحديث عن أي شيء يُظهر الوجه الحقيقي لما يحصل في الداخل.

إيران تنهار داخلياً، ليس كنظام فقط، بل حياة شعبها تزاد سوءاً لدرجة أن الأصوات بدأت تعلو، وهنا الخوف، ماذا إن علت وتحولت لفعل لا يمكن لجماعة مجتبى السيطرة عليه؟!

طبعاً متحدثو النظام الإيراني، ومن في حُكم الأذيال والعملاء والمرتزقة يستميتون في إنكار كل هذا، ويقدمون في المقابل روايات تشير لانتصارات وأوضاع مستقرة. لكن الحقيقة هي التي يعيشها اليوم الشعب الإيراني نفسه، والذي لو تجرأ بعضهم على الحديث فقط، لاختفى بدون أثر.