لعل الكل يتابع مستجدات الحقل التعليمي هذه الأيام، والتي تصدرها خبر إلغاء الترخيص التعليمي لإحدى المدارس الخاصة؛ وهو الإجراء الرقابي الحازم الذي يعكس بجلاء عمق الاهتمام الموجه للمنظومة التعليمية وحفظ حقوق المتعلمين. ويتكامل هذا المشهد الرقابي مع ما خلصت إليه جلسة مجلس الوزراء الأخيرة من توجيهات سديدة لصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، بإقامة يوم تعريفي في كافة المدارس الحكومية لأولياء الأمور، وتكليف سموه لوزارة التربية والتعليم باتخاذ كافة الاستعدادات التي تكفل توفير بيئة تعليمية محفزة تشجع على الإبداع والتفوق، وتستوعب متطلبات المرحلة المقبلة.
وفي ظل هذا التطور التعليمي الحكومي المشهود والمستند إلى كفاءة وطنية عالية، يبرز تساؤل مشروع: ألم يحن الوقت لتوسيع نطاق المظلة الحكومية لتشمل تجربة رياض الأطفال وإدماجها مؤسسياً ضمن التعليم العام؟ إن التاريخ التنموي يؤكد أنه لا يوجد مستحيل في قاموس مملكة البحرين؛ فقد أثبتت المملكة عبر محطاتها التاريخية قدرة استثنائية على تذليل التحديات، انطلاقاً من الإيمان الراسخ بالقاعدة الفلسفية: «إذا أردت أن تقيس تقدم أمّة ونجاحها، فلا تنظر إلى الأبراج والمصانع، بل انظر إلى مدارسها وأعمدة تعليمها؛ ففي فصولها الدراسية يُصنع قادة الغد ومستقبل الأوطان».
إن هذا التميز التعليمي الذي تعيشه البحرين يستند إلى منظومة تشريعية مثلى ومتجذرة في الفكر السياسي للمملكة وليست وليدة اليوم؛ فقد أكد ميثاق العمل الوطني وهو ثمرة المشروع الإصلاحي لجلالة الملك المعظم في فصله الأول (ثامناً)، والمتعلق بالتعليم والثقافة والعلوم، على أن مملكة البحرين تدعم التعليم وتعتبره منارة للإشعاع الفكري والتقدم العلمي، ويمثل هذا التوجه امتداداً تاريخياً حكيماً؛ إذ استطاع المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة، طيب الله ثراه، أن يتعامل بواقعية مع الصراعات الدولية آنذاك، ويختط طريق التطور الواقعي متجاوزاً الأعراف التقليدية القديمة، ليفتح الطريق واسعاً لنشوء المجتمع المدني الحديث عبر تكريس التعليم النظامي الحديث وخلق الإدارة الحكومية الفاعلة والأداء البلدي العصري، وسن القوانين اللازمة وتنمية البلاد بالتزامن مع التحولات الكبرى لصناعة النفط.
وقد تُوجت هذه الثوابت التاريخية بنصوص دستورية قطعية؛ حيث كفلت مملكة البحرين الخدمات التعليمية، ورعت إلزامية التعليم ومجانيته في المراحل الأولى التي يعينها القانون، وذلك بموجب المادة (7/أ) من الدستور. ولم تنكفئ هذه الرؤية على النطاق المحلي بل واكبت المعايير الإنسانية الدولية، وهو ما جسده المرسوم بقانون رقم (16) لسنة 1991 بشأن انضمام مملكة البحرين إلى اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل؛ إذ حددت المادة (29/1) منها الأهداف المبتغاة من كفالة حق الطفل في التعليم، مشيرة إلى توجيه التعليم نحو تنمية شخصية الطفل ومواهبه وقدراته العقلية والبدنية إلى أقصى إمكاناتها، وتنمية احترام حقوق الإنسان، واحترام هويته الثقافية وقيمه الوطنية، وإعداده لحياة تستشعر المسؤولية في مجتمع حر بروح من التفاهم والسلم والتسامح والمساواة، فضلاً عن تنمية احترام البيئة الطبيعية.
وعلى الصعيد التنفيذي والميداني، يظهر الأثر المباشر لهذا الاهتمام الشامل من خلال الديناميكية العالية التي يمارسها سعادة الدكتور محمد بن مبارك جمعة، وزير التربية والتعليم ورئيس مجلس أمناء مجلس التعليم العالي؛ إذ تعكس مقابلاته المستمرة مع الطلبة وكلماته التوجيهية قُرباً ملموساً من الميدان التربوي وتفهماً عميقاً لاحتياجات الناشئة. ولا يقتصر هذا الحضور الفاعل على التعليم المدرسي، بل يمتد برؤية تكاملية إلى قطاع التعليم العالي، حيث يقود سعادته خطط التطوير الاستراتيجي التي توجت مؤخراً بتدشين الاستراتيجية الوطنية الجديدة للتعليم العالي والبحث العلمي للأعوام (2026-2036)، والتي تهدف إلى صياغة مسارات أكاديمية وبحثية مبتكرة تمهد الطريق للأجيال القادمة وتدعم ركائز التنمية المستدامة.
ختاماً، تظل الحقيقة الثابتة التي تصنع الفارق بين الدول هي الاستثمار في الإنسان؛ فإذا أردت أن تنظر إلى مستقبل دولة ومدى استدامة نهضتها، فانظر إلى عمق وتطور المنظومة التعليمية فيها، وهو الرهان الذي كسبته مملكة البحرين تاريخاً وحاضراً ومستقبلاً.