نتابع جميعاً علوَّ كعب المقاتلة الصينية 10-J في صفقات السلاح الصينية الخارجية، إلا أن جيناتها ليس كلها صينياً. والأقرب أنها تمثل النسخة الصينية من المقاتلة الإسرائيلية «لافي» Lavi الأسد.

بدأت قصة «لافي» في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، حين قررت إسرائيل تطوير مقاتلة وطنية متعددة المهام، تجمع بين خفة المقاتلات الغربية والتفوق الإسرائيلي في الإلكترونيات الجوية ونظم التسليح. وقد وصلت الطائرة إلى مرحلة الطيران التجريبي، قبل أن تقرر الحكومة الإسرائيلية، في أغسطس 1987، إلغاء المشروع تحت وطأة الكلفة العالية والتحفظ الأمريكي.

ولم تكن دوافع الموقف الأمريكي ماليةً فحسب، بل ارتبطت بخشية واشنطن من أن تتحول «لافي» إلى منافس يتجاوز المنافسة المباشرة لطائرة 16-F الأمريكية في أسواق السلاح الدولية، وأن تعزز، في الوقت نفسه، استقلالية السياسة الخارجية الإسرائيلية. ولم تكن «لافي» أول مشروع إسرائيلي لإنتاج مقاتلة وطنية؛ إذ أنتجت إسرائيل مقاتلة «كفير» Kfir في سبعينيات القرن الماضي.

إلا أن الإلغاء أبقى أكثر من سؤال قائمًا: ماذا حدث للمعرفة المتراكمة في مشروع «لافي»؟ فبرنامج بهذا الحجم لا يقتصر على نموذجين تجريبيين، بل يخلّف كوادر ومعرفة هندسية، وبرمجيات تحكم، ودراسات ديناميكية، وخبرات في الرادارات والإلكترونيات المتقدمة. وفي تلك المرحلة تحديدًا، كانت الصين تبحث عن اختصار الفجوة التي تفصلها عن صناعات الطيران الغربية، فيما كانت إسرائيل تمتلك خبرة متقدمة وقطاعًا دفاعيًا يبحث عن أسواق وشراكات.

وتأتي القرينة الأهم على التعاون الصيني الإسرائيلي من قضية منظومة الإنذار المبكر المحمولة جواً، المعروفة باسم «فالكون». ففي تسعينيات القرن الماضي، وافقت إسرائيل على بيع الصين نظام رادار وإنذار مبكر متطور لتركيبه على طائرة نقل روسية من طراز «إيل-76». ولم تكن المسألة مجرد صفقة تجارية عادية، بل نقلًا لقدرة استراتيجية تمنح بكين إمكانات أوسع لإغلاق مجالها الجوي ومراقبته، وإدارة المعارك متعددة النطاقات.

حينها، اعترضت الولايات المتحدة رسميًا وبقوة على تلك الصفقة. ومارست إدارة الرئيس بيل كلينتون ضغوطًا مباشرة على إسرائيل لإلغائها، معتبرةً أن تزويد الصين بهذه المنظومة يخلّ بالتوازن العسكري في شرق آسيا، ولا سيما في ما يتعلق بتايوان، كما يهدد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها. وفي عام 2000، اضطرت إسرائيل إلى إلغاء الصفقة، رغم ما ترتب على ذلك من أزمة سياسية وتعويضات مالية للصين.

تكشف قضية «فالكون» أن واشنطن كانت مقتنعة بوجود قابلية حقيقية لدى إسرائيل في نقل تكنولوجيا عسكرية متقدمة وذات حساسية عالية إلى بكين، وأنها كانت ترى في هذا التعاون خطراً استراتيجياً، لا مجرد خلاف تجاري. وإذا كانت الولايات المتحدة قد تحركت علناً لمنع تصدير منظومة إنذار مبكر، فمن المنطقي أن تثير قضية أشد حساسية، مثل نقل برنامج مقاتلة متقدمة أُوقف أصلاً تحت ضغط أمريكي نسبي، شكوكاً أكبر.

من هنا، لا تبدو 10-J نسخة صينية مطابقة للمقاتلة «لافي»، لكن التشابه البنيوي بين الطائرتين، وتزامن م ساري التطور، وسجل التعاون العسكري الإسرائيلي الصيني الذي أثبتته أزمة «فالكون»، تجعل فرضية توظيف التكنولوجيا العسكرية ذراعاً مسانداً للسياسة الخارجية الإسرائيلية، عبر نقل أو بيع برنامج «لافي» إلى الصين، قراءةً منطقية. واليوم، يبعث الأسد في صورة تنين متوثب لمقارعة النسور الأمريكية في فضاءات آسيا وأفريقيا.