لأن البحرين كانت دائماً سبّاقة في جميع المجالات، تتوافر لدينا اليوم فرصة ثمينة لا بد من استثمارها لمراجعة القوانين في محاكمنا الشرعية (السنية والجعفرية)، وذلك بعد مرور أكثر من أربعين عاماً على قانون الإجراءات وعدم كفاية التعديلات التي صدرت عليه، ثم مرور سنوات على صدور قانون أحكام الأسرة لعام 2017، والذي ظهرت في تطبيقه العملي بعض أوجه القصور والتراجع عن بعض المكتسبات.
ومن المتوقع ألا تواجه المراجعةُ والتعديل الممانعةَ التي سبقت صدور قانون أحكام الأسرة؛ إذ إن التجربة كانت خير برهان، وثبت أن تقنين أحكام الأسرة كان للمصلحة العامة، وفيه خير لجميع أفرادها، وليس للمرأة فقط -كما كان يخشى البعض- مما يسهل التعامل مع فكرة التعديلات المطلوبة.
وأقف هنا عند حالة تحمل مفارقة غريبة؛ حيث اتسم قانون أحكام الأسرة (الشق السني الصادر عام 2009) بالتقدم والرقي، ثم حدث تراجع في بعض المزايا عند صدور قانون أحكام الأسرة الشامل عام 2017 دون بيان الأسباب، مما أفقَد الأسرة العديد من المكتسبات.
والأمثلة على ذلك كثيرة، نستعرض منها على سبيل المثال لا الحصر:
- ولاية القاضي: أتاح قانون 2009 للمرأة تعيين القاضي ولياً عليها في حال غياب وليها أو انقطاعه، بينما يتوجب عليها وفق تطبيق قانون 2017 البحث عن ولي من أسرتها، حتى لو كان أصغر منها سنّاً كابن الأخ أو ابن العم.
- وضع الأطفال بعد الطلاق: راعى قانون 2009 الوضع الاجتماعي للأطفال -خاصة في جانب التعليم- بينما اكتفى قانون 2017 بإلزام الأب بتوفير الاحتياجات الأساسية فقط وبقدر الكفاية وهو سد رمق فهل يصلح هذا المعيار «حد الكفاية»؟ لهذا العصر؟
- حق طلب الطلاق لسجن الزوج: أعطى قانون 2009 للمرأة حق طلب الطلاق في حال صدور حكم بحبس زوجها ثلاث سنوات، بينما أُلقي على عاتقها في قانون 2017 عبء إثبات الضرر المترتب على ذلك.
وهذه مجرد أمثلة تحمل العديد من المفارقات التي يظهر فيها تراجع النص الحديث مقارنة بالنص السابق، ويكفي إجراء مقارنة بين النصين ليتبين حجم التراجع عن نقاط مضيئة كانت البحرين سبّاقة فيها.
ونأتي إلى منعطفات أخرى تضعف قوة النص القانوني، وتعود بنا إلى المربع الأول؛ حيث أدى كثرة الإحالة إلى الآراء الفقهية إلى الإخلال بالقيد الملزم للقاضي بالنص، وترك له مساحة واسعة للاجتهاد في مواضع نص عليها القانون أصلاً.
وينقلنا هذا إلى إشكالية طلاق الخلع؛ فقد اكتفى القانون بالشق السني منه بمقدار ما يتوجب على الزوجة إعادته للزوج بأن لا يتجاوز الصداق المقدم، أما في المحاكم الجعفرية، فقد تُرِك الأمر مفتوحاً لتقدير الزوج، وتردد القضاة في حسم المسألة؛ مما منح الرجل فرصة للمزايدة والمساومة في التطليق، وكان سبباً في تعليق العديد من الحالات تعنتاً.
هذا غيض من فيض من الأمثلة العديدة التي تستدعي إعادة النظر والتقييم والمراجعة، ويدفعنا إلى المطالبة بتحرك السلطة التشريعية والمؤسسات الأهلية المعنية -كالاتحاد النسائي- مثلاً للعمل على تحريك هذا الملف والدفع باتجاه مراجعته وتطويره.
وأعتقد أن جميع الظروف موائمة الآن لمناقشة هذا الملف مناقشة موضوعية دون ممانعة وتشنج كالسابق لا تضع مصلحة العدالة والإنصاف نصب أعينها.