بمناسبة اليوم الدولي للديمقراطية، الذي يحتفل به العالم في الخامس عشر من سبتمبر من كل عام، تتجدّد أهمية التوقف عند الديمقراطية باعتبارها قيمة إنسانية وحضارية، ونهجاً لبناء الدولة وتعزيز الشراكة الوطنية، وليست مجرد مناسبة للاحتفاء بالمبادئ. فالديمقراطية تقوم على المشاركة الواعية، واحترام الرأي الآخر، وسيادة القانون، وتعزيز دور المؤسسات، وتمكين المواطنين من الإسهام في بناء حاضر أوطانهم وصياغة مستقبلها. ومن هذه الزاوية، تمثل هذه المناسبة فرصة للتأمل في مسيرة الدول التي جعلت من الحوار والعمل المؤسسي والمشاركة الوطنية ركائز أساسية في بناء الدولة وتطويرها.
وفي مملكة البحرين، ارتبطت مسيرة العمل الديمقراطي بالمشروع الإصلاحي لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، الذي شكّل منذ انطلاقه محطة تاريخية في مسيرة الدولة الحديثة، وأرسى أُسساً دستورية ومؤسسية عزّزت دولة القانون والمؤسسات، ووسعت مجالات المشاركة الوطنية، ومهّدت لعودة الحياة البرلمانية في إطار دستوري واضح يقوم على المسؤولية والتعاون وخدمة الوطن والمواطن. وجاء ميثاق العمل الوطني ليجسّد توافقاً وطنياً واسعاً حول رؤية مستقبلية للتطوير السياسي والمؤسسي، وكان الاستفتاء الشعبي عليه عام 2001، بنسبة موافقة بلغت 98.4%، محطة مفصلية عبّرت عن إرادة وطنية واسعة للانتقال إلى مرحلة جديدة من الإصلاح والتحديث، ومهّدت لاستكمال البناء الدستوري والمؤسسي. ومنذ ذلك الحين، واصلت مملكة البحرين تطوير مؤسساتها وأدوات العمل العام بصورة متدرجة، بما عزّز حضور المؤسسات الدستورية في الحياة الوطنية، ورسّخ مفهوم المشاركة في إطار من المسؤولية والالتزام بالقانون.
ويواصل صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، دعم مسيرة التطوير والتحديث من خلال الارتقاء بكفاءة الأداء الحكومي والمؤسسي، وتعزيز ثقافة الإنجاز والاستثمار في الإنسان والكفاءات الوطنية، بما يرسّخ قدرة مؤسسات المملكة على الاستجابة لمتطلبات المرحلة واستشراف المستقبل، فنجاح أي منظومة مؤسسية يرتبط بصورة وثيقة بقدرتها على تطوير كوادرها، وتحويل الرؤى والاستراتيجيات إلى برامج ونتائج ملموسة.
ومن هنا، فإن قيمة مسيرة الإصلاح تتجاوز تأسيس الأطر الدستورية إلى ما أحدثته من تحول في مفهوم العلاقة بين المواطن والدولة، وترسيخ العمل المؤسسي والمشاركة الوطنية، وإيجاد قنوات دستورية للتعبير عن الرأي والمساهمة في مناقشة القضايا المرتبطة بحياة المواطنين ومستقبل الوطن.
ويأتي مجلس الشورى، برئاسة معالي السيد علي بن صالح الصالح، ومجلس النواب، برئاسة معالي السيد أحمد بن سلمان المسلم، في صميم منظومة العمل التشريعي، من خلال ممارسة اختصاصاتهما الدستورية، والإسهام في تطوير التشريعات، ومناقشة القضايا الوطنية، وتعزيز الحوار والتشاور بما يخدم الوطن والمواطن. فالمؤسسة التشريعية تؤدي دوراً يتجاوز إصدار القوانين إلى قراءة احتياجات المجتمع ومناقشة القضايا التي تمسّ حياة المواطنين، وتطوير التشريعات بما يواكب المتغيرات ويحمي المصلحة العامة. كما أن نجاح المؤسسات يقاس بقدرتها على أداء أدوارها بكفاءة، وبناء جسور التواصل، والاستماع إلى مختلف الآراء، وتحويل النقاش المؤسسي إلى مخرجات تُسهم في خدمة الوطن والمواطن.
ومن واقع تجربتي المهنية في الأمانة العامة لمجلس الشورى منذ عام 2005 وحتى 30 مايو 2026، عايشت جانباً من هذه المسيرة عن قرب، من خلال عملي في الإعلام والعلاقات المؤسسية والتواصل، ومتابعة وتنظيم العديد من الفعاليات البرلمانية والمؤتمرات والاجتماعات، إلى جانب عملي المباشر مع رئاسة المجلس لسنوات طويلة. كما أتاحت لي هذه السنوات مرافقة الوفود البرلمانية والشعبة البرلمانية في عدد من المحافل الإقليمية والدولية، والاطلاع على تجارب متنوعة في العمل البرلماني والدبلوماسية المؤسسية. وكانت تلك السنوات مدرسة عملية في فهم قيمة المؤسسة، وأهمية التنسيق، ودور التواصل في بناء الصورة المؤسسية وتعزيز العلاقات مع مختلف الجهات. وقد تعلمت منها أن التواصل المؤسسي ليس جانباً مكملاً للعمل، وإنما عنصر أساسي في بناء الثقة وتعزيز التعاون، وأن قوة المؤسسة لا تعتمد على الهياكل واللوائح وحدها، وإنما على كفاءة كوادرها وروح الفريق والاستفادة من الخبرات والانفتاح على الأفكار التي تُسهم في تطوير الأداء.
وعلى امتداد هذه السنوات، تراكمت مكتسبات وطنية ومؤسسية ومجتمعية أسهمت في ترسيخ ثقافة العمل المؤسسي، وتوسيع مجالات المشاركة الوطنية، وتطوير العمل التشريعي والرقابي، وتعزيز الحوار والتشاور، ورفع مستوى الوعي بالحقوق والواجبات. والأهم أن المشاركة الوطنية أصبحت ممارسة مؤسسية تتطور مع الزمن، وترسّخ معها مفهوم المسؤولية المشتركة في بناء الدولة. فالاختلاف في الرأي يمكن أن يكون مصدراً للإثراء والتطوير عندما يُدار بالحوار والاحترام، وتقترن المشاركة بالوعي والمسؤولية والالتزام بالقانون.
ولا يمكن الحديث عن تطور المشاركة الوطنية في البحرين من دون التوقف عند الحضور المتنامي للمرأة البحرينية، التي أصبحت شريكاً أصيلاً في التنمية وصناعة القرار وتحمّل المسؤولية الوطنية. فقد أثبتت الكفاءات النسائية قدرتها على الوصول إلى مواقع المسؤولية والمساهمة في مختلف مجالات العمل العام، وصولاً إلى المستويات المتقدمة في السلطة التشريعية ورئاسة اللجان البرلمانية الدائمة. وإن استمرار دعم تكافؤ الفرص وتمكين المرأة يمثل استثماراً في طاقات وطنية قادرة على الإسهام في التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فكلما اتسعت دائرة المشاركة أمام الكفاءات، ازدادت قدرة المجتمع على الاستفادة من موارده البشرية وتحقيق تنمية أكثر توازناً واستدامة.
ويمثل الشباب بدورهم ركيزة أساسية في مستقبل العمل الديمقراطي، فهم شركاء في صناعة الحاضر قبل أن يكونوا قادة المستقبل. وفي عالم تتسارع فيه المعلومات وتتداخل فيه الحدود بفعل التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، يصبح تمكين الشباب مرتبطاً بتعزيز وعيهم بالمواطنة والمسؤولية الوطنية، وإكسابهم مهارات الحوار والتفكير النقدي، وتمكينهم من استخدام أدوات العصر بصورة إيجابية ومسؤولة. كما أن المجتمع المدني والإعلام الوطني شريكان مهمان في ترسيخ الثقافة الديمقراطية؛ فالمؤسسات الأهلية والتطوعية تعزز المشاركة المجتمعية، بينما تؤدي وسائل الإعلام دوراً أساسياً في نقل المعلومات وتوضيح القضايا وفتح مساحات للنقاش المسؤول. وفي عصر تتدفق فيه المعلومات بسرعة غير مسبوقة، أصبح الوعي الإعلامي جزءاً أساسياً من الممارسة الديمقراطية، بما يتطلب القدرة على التحقق من المعلومات، والتمييز بين الرأي والحقيقة، والتعامل مع المحتوى بمسؤولية.
كما أن الدبلوماسية البرلمانية أصبحت رافداً مهماً للعمل الوطني، من خلال الحضور الفاعل للشعبة البرلمانية في المحافل الإقليمية والدولية، وهو جانب شرُفت بمرافقته على مدى سنوات ممتدة. وقد أسهم هذا الحضور في توسيع آفاق التعاون البرلماني، وتبادل الخبرات والتجارب، وإبراز صورة مملكة البحرين ومواقفها في المحافل الدولية، بما يؤكد أن العمل البرلماني لا يتوقف عند حدود المؤسسة التشريعية، وإنما يمتد إلى بناء جسور التواصل والتفاهم مع البرلمانات والمنظمات الدولية. وكانت مشاركتي في عدد من هذه المحافل فرصة مهمة للاطلاع على تجارب مختلفة، وفهم أوسع للدبلوماسية البرلمانية باعتبارها أداة للتواصل وبناء العلاقات وتبادل الخبرات، فضلاً عن دورها في التعريف بما تحققه المملكة ومؤسساتها من تطور.
ومن هنا، فإن الديمقراطية تبدأ من الإنسان قبل المؤسسة؛ فالتشريعات مهما بلغت من التطور تحتاج إلى وعي يحسن تطبيقها، والمؤسسات مهما بلغت من القوة تحتاج إلى كوادر مؤهلة وقادرة على تحمّل المسؤولية، والمشاركة الوطنية تحتاج إلى مواطن يدرك أن الحقوق تقترن بالواجبات، وأن حرية التعبير مسؤولية، وأن الاختلاف في الرأي لا يعني الخلاف على الوطن. فالديمقراطية الحقيقية لا تعني أن يتفق الجميع في الرأي، وإنما أن يجد الاختلاف إطاره المسؤول، وأن يتحول الحوار إلى وسيلة للتطوير لا إلى سبب للفرقة. والأوطان تتقدم حين تتسع مساحات الحوار، وتلتقي مختلف الآراء حول مصلحة وطنية مشتركة، ويصبح التنوع في وجهات النظر مصدراً للقوة والإثراء.
إن مسيرة العمل البرلماني والمؤسسي في مملكة البحرين تؤكد أن البناء الديمقراطي مسار متدرج ومتواصل، تتكامل فيه القيادة والمؤسسات والمجتمع، ويتطور مع تطور احتياجات الدولة وتطلعات المواطنين. وما تحقق خلال السنوات الماضية يمثل رصيداً وطنياً مهماً، وفي الوقت ذاته يضع مسؤولية أكبر على الأجيال المقبلة لمواصلة البناء والمحافظة على المكتسبات وتطويرها بما يواكب متطلبات المستقبل. فاستدامة أي مسيرة وطنية لا تعتمد على ما تحقق فقط، وإنما على القدرة المستمرة على التعلم والتطوير والاستجابة للتحولات، مع الحفاظ على الثوابت التي تشكل أساس الاستقرار والتماسك الوطني.
فالديمقراطية في جوهرها مسؤولية وطنية نمارسها كل يوم؛ تبدأ بالوعي، وتترسّخ بالمشاركة، وتكبر بالحوار، وتحميها المؤسسات، ويمنحها الإنسان معناها الحقيقي. ومن واقع ما عايشته خلال سنوات العمل البرلماني والمؤسسي، أؤمن بأن بناء الوطن مسؤولية مشتركة، وأن اختلاف الآراء يمكن أن يكون مصدراً للقوة حين يجمعه الاحترام وتوجهه المصلحة الوطنية. وبقدر ما نرتقي بوعينا، نرتقي بوطننا، وبقدر ما نحافظ على مؤسساتنا ونواصل تطويرها، نحافظ على مكتسبات البحرين ونفتح أمام أجيالها القادمة آفاقاً أوسع للمشاركة والإنجاز. إنها مسيرة وطن بدأت بمشروع إصلاحي، وترسّخت بالدستور والمؤسسات، وتواصلت بالإرادة والعمل، وستبقى غايتها أن تظل مملكة البحرين وطناً مستقراً ومتقدماً ومتماسكاً، قادراً على مواصلة التنمية وصون مكتسباته والمضي بثقة نحو المستقبل.
* مستشار إعلامي وعلاقات مؤسسية