لم تكن أرضُ الخليج يوماً أرضاً مدللةً بالعطاء، بل كانت صفحةً طويلةً من الصبر، كتبتها الشمس بحرارتها، ونقش البحر على سواحلها حكايات الرجال الذين خرجوا كل صباحٍ يحملون قلوبهم قبل أن يحملوا أدوات رزقهم. كان الغواص يهبط إلى أعماق البحر، لا يدري أيرجع بلؤلؤةٍ تضيء بيته، أم يعود بخيبةٍ يخبئها خلف ابتسامة الرضا. وكان ابن الصحراء يشق الرمال مؤمناً بأن الرزق لا يأتي إلا لمن سار إليه.
ومع قسوة الحياة، لم تكن النفوس قاسية، بل كانت أكثر امتلاءً بالقناعة، وأشد تعلقاً بالله. كانت البيوت متواضعة، لكن أبوابها مفتوحة، وكانت الموائد قليلة، لكن البركة كانت تتسع للجميع. لم يكن الغنى يُقاس بما في اليد، بل بما في القلب من صبرٍ ورضا، وما في النفوس من شهامةٍ وتكافل.
ثم شاء الله أن يفتح لهذه الأرض باباً من أبواب فضله، فانبثقت الخيرات من باطنها، وكأن الأرض التي صبرت طويلاً، جاءها وعد السماء بأن لكل صبرٍ موعداً مع الفرج. ولم يكن النفط مجرد ثروةٍ غيرت الاقتصاد، بل كان نقطة تحولٍ غيرت وجه الحياة، ونقلت الخليج من مرحلة الكفاح من أجل البقاء، إلى مرحلة صناعة المستقبل.
غير أن الثروات وحدها لا تصنع الأوطان، فقد عرف التاريخ بلاداً أغناها الله بالموارد، لكنها بقيت فقيرةً في حاضرها ومستقبلها. أما الخليج، فقد أنعم الله عليه، إلى جانب خير الأرض، بقياداتٍ امتلكت البصيرة، والرؤية، فأدركت أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن العمران لا يزدهر إلا إذا ازدهر معه العقل والتعليم والصحة والأمن.
فارتفعت المدارس والجامعات، وازدهرت المستشفيات، وامتدت الطرق والجسور، وتحولت الصحارى إلى مدنٍ تنبض بالحياة، وأصبحت الموانئ والمطارات نوافذ تطل منها هذه الأوطان على العالم. ولم يكن ذلك مجرد بناءٍ للحجر، بل كان بناءً للإنسان، وصناعةً لمجتمعاتٍ تنظر إلى المستقبل بثقةٍ وطموح.
ومع كل هذا الازدهار، يبقى أجمل ما في الحكاية أن الذاكرة لم تغب. فما زالت صور الغواصين، والبحارة، ورجال الصحراء، وسعف النخيل، وبيوت الطين، حاضرةً في وجدان الخليج، تذكر أبناءه بأن ما يعيشونه اليوم لم يولد من فراغ، وإنما ارتوى من عرق رجالٍ صدقوا مع الله، ثم مع أوطانهم، فصنعوا من الشدة قوة، ومن قلة الإمكانات بدايةً لمستقبلٍ مشرق.
إن شكر النعم لا يكون بكثرة الحديث عنها، بل بحسن المحافظة عليها، وبالعمل الذي يزيدها رسوخاً، وبغرس الوفاء في نفوس الأجيال، حتى يعرف الأبناء أن الأمن، والتعليم، والصحة، والرخاء، لم تكن يوماً هباتٍ بلا ثمن، وإنما كانت ثمرة صبر الآباء، وحكمة القادة، وفضل الله الذي وسعت رحمته هذه الأرض وأهلها. وعلى ضفاف الذاكرة.. كلما رأينا مدينةً تعانق السماء، أو طريقاً يمتد بين العمران، أو جامعةً تخرج أفواج العلم، فلنتذكر أن تحت هذا المشهد تاريخاً من الكفاح، وأن وراء كل نعمةٍ رجالاً صبروا حتى جاء وعد الله. وما بين لؤلؤةٍ كان الغواص يفتش عنها في أعماق البحر، وخيرٍ فاض من باطن الأرض، تتجلى سنة الله التي لا تتبدل: أن بعد الصبر عطاء، وبعد العسر يُسراً، وأن الأوطان التي تحفظ فضل ماضيها، تستحق أن يبارك الله مستقبلها.. على ضفاف الذاكرة.