مكة ليست مدينة عادية، وليست هدفاً عسكرياً، وليست ورقة في صراع سياسي، إنها قبلة المسلمين ومهوى أفئدة أكثر من مليار مسلم، وفيها بيت الله الحرام الذي تهوي إليه القلوب من كل أنحاء العالم. فحين يصل العبث بالحروب والصراعات إلى محاولة تعريض مكة المكرمة للخطر، فإن الأمر لم يعد مجرد مواجهة عسكرية أو خلاف سياسي، بل يصبح تجاوزاً لكل الخطوط الحمراء الدينية والإنسانية والأخلاقية، فما أعلنته المملكة العربية السعودية من اعتراض وتدمير طائرة مسيرة أطلقتها جماعة الحوثي قبل دخولها المجال الجوي المحظور لمكة المكرمة، يجب أن يتوقف أمامه العالم الإسلامي طويلاً، وأن تكون هناك وقفة جادة وحازمة لوقف عبث هذه الميليشيات التي عاثت فساداً في الأرض.
في الواقع أصبحت منطقتنا أكثر مناطق العالم تصعيداً عسكرياً وسياسياً، بسبب إيران المصدّرة للإرهاب وأذرعها؛ فالحوثي، وهو ذراعها في الجنوب، يعد بعمله هذا واستهدافه لمكة المكرمة، هو الحدث الأخطر في ظل تصعيد عسكري متواصل في المنطقة، لكن أن يصل ذلك إلى استهداف أطهر بقاع الأرض بطائرة مسيرة هو أمر بالغ الخطورة، ولا يمكن التعامل معه كحادث عسكري عابر، ووصلنا في هذه الحرب العبثية أن تصبح المقدسات الإسلامية جزءاً من الحسابات العسكرية والسياسية لجماعة الحوثي الذي يرفع شعاره الزائف الموت لإسرائيل والموت لأمريكا، وفي الوقت ذاته يتواصل بهم ويجتمع معهم على طاولة واحدة من أجل مصالحه السياسية والعسكرية.
إن مكة المكرمة ليست ساحة لتوجيه الرسائل، وليست مكاناً لإثبات القوة، ومن يقترب منها إنما يقترب من مشاعر المسلمين جميعاً؛ ولذلك فإن استهدافها أو حتى تعريض أمنها للخطر يمثل استفزازاً بالغاً لا يمكن تبريره تحت أي شعار أو ذريعة. وقد جاءت ردود الفعل الإسلامية واسعة، فقد أدانت منظمة التعاون الإسلامي والجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي ودول عربية وإسلامية عدة ما اعتبرته محاولة للمساس بأمن مكة والمقدسات الإسلامية، وهذا الموقف يجب ألا يبقى في إطار بيانات الإدانة فقط. لقد حان الوقت لأن يتحول الغضب الإسلامي إلى موقف عملي موحّد يردع الحوثي وإيران وكل من يفكر في المساس بأمن مكة المكرمة، لأن الدفاع عن حرمة بيت الله الحرام ليس موقفاً سعودياً فحسب، بل مسؤولية ومشاعر يشترك فيها كل المسلمين في العالم.
المطلوب اليوم موقف إسلامي واضح ومسؤول يتحرك عبر المؤسسات الدولية والإسلامية، ويضع حماية الحرمين الشريفين وأمن ضيوف الرحمن فوق الحسابات السياسية؛ فالرسالة يجب أن تكون واضحة أن المقدسات ليست هدفاً، ومكة ليست ساحة حرب، وأمن الحرم المكي خط أحمر، وعلى الحوثي الذي يرفع شعارات تتحدث عن مواجهة إسرائيل والدفاع عن القدس أن يفسر للمسلمين كيف يمكن أن تتجه الأسلحة نحو قبلة المسلمين، والمقدسات لا تحمى بالشعارات المتناقضة، نراه ينتفض للدفاع عن القدس، في حين نراه يستهدف مكة المكرمة لأنها في المملكة العربية السعودية.
همسة
نقولها للحوثي ومن خلفه إيران، إن مكة ليست هدفاً عسكرياً، مكة قبلة المسلمين، ومن يقترب من حرمتها يقترب من مشاعر أمة بأكملها.