لو تقدم شخصان إلى الوظيفة نفسها، ويحملان المؤهل الجامعي ذاته، ولديهما سنوات متقاربة من الخبرة، فكيف تعرف المؤسسة أيهما يمتلك المهارات التي تحتاجها فعلًا؟ هذا السؤال يكشف تحولًا متسارعًا في سوق العمل؛ فالمؤهل لا يزال مهمًا، والخبرة لا تزال ذات قيمة، لكنهما لم يعودا وحدهما كافيين لرسم الصورة المهنية الكاملة للفرد. سوق العمل الجديد يريد أن يعرف شيئًا أكثر تحديدًا: ماذا يستطيع هذا الشخص أن يفعل اليوم؟ وما مستوى إتقانه؟ وما المهارات التي اكتسبها مؤخرًا؟ وهل يستطيع تطوير نفسه بالسرعة نفسها التي تتغير بها الوظائف والتقنيات؟

من هنا يبرز مفهوم «جواز المهارات Skills Passport»؛ أي سجل مهني ديناميكي يوثق مهارات الفرد وكفاءاته وما يضيفه إليها مع الوقت. وهو لا يأتي ليحل محل الشهادة الجامعية أو الخبرة المهنية، وإنما ليكملهما. فالسيرة الذاتية تخبرنا أين درس الإنسان وأين عمل، أما جواز المهارات فيحاول الإجابة عن سؤال مختلف: ماذا يستطيع أن ينجز؟

وتزداد أهمية هذا التحول مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى مختلف المهن. فالوظيفة قد تحتفظ باسمها لسنوات، بينما تتغير المهام التي تتكون منها بوتيرة أسرع. بعض المهام تصبح مؤتمتة، وأخرى تتعزز بالتكامل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، فيما تبقى مهام تتطلب الحكم المهني والتواصل والمسؤولية البشرية. ولهذا لم تعد إدارة القوى العاملة قادرة على الاكتفاء بالمسميات الوظيفية؛ بل تحتاج إلى معرفة المهارات المتوافرة داخل المؤسسة، والفجوات التي ينبغي سدها، والقدرات التي ستحتاج إليها مستقبلًا. وفي البحرين، توجد بالفعل عناصر تدعم هذا الاتجاه.

فقد طورت مهارات البحرين (Skills Bahrain)، وهي مبادرة وطنية تعمل تحت مظلة صندوق العمل «تمكين»، إطارًا للمهارات الأساسية يقوم على ثلاث ركائز رئيسية: الذكاء الاجتماعي، وإدارة الذات، والمهارات التحليلية، ويتفرع منها اثنتا عشرة مهارة أساسية. كما توفر خرائط للمسارات المهنية تحدد الوظائف والمهارات ومستويات الكفاءة ومسارات الانتقال بين الأدوار. ويعزز هذا المسار إطلاق منصة «عالم المهن»، التي تتيح استكشاف أكثر من 160 مهنة والتعرف على تخصصاتها ومهاراتها ومساراتها المهنية، إلى جانب منصة مهارات التوظيف التي تعرض أكثر من 13 ألف مهارة وكفاءة مرتبطة بالأدوار الوظيفية. وفي سبتمبر الجاري، توسّع نطاق الوصول إلى «عالم المهن» عبر منصة عرض تفاعلية في سيتي سنتر البحرين، بما يقرب معلومات سوق العمل من الطلبة والشباب وأولياء الأمور. وتكشف التقارير القطاعية كذلك عن تغير واضح في طبيعة الطلب على المهارات؛ ففي الموارد البشرية تبرز مهارات تحليل البيانات والتطوير التنظيمي والامتثال وحوكمة الموارد البشرية، بينما تظهر في الخدمات المالية مهارات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات وإدارة المخاطر والامتثال. وهذا يؤكد أن المهارات الرقمية لم تعد حكرًا على الوظائف التقنية، بل أصبحت جزءًا من كفاءة الموظف في قطاعات متعددة.

الأثر الأكبر لهذا التحول سيكون داخل المؤسسات نفسها. فبدل أن تمتلك قائمة بالوظائف وعدد شاغليها فقط، يمكن أن تمتلك خريطة حية لقدراتها البشرية: ما المهارات الموجودة؟ وأين تتركز؟ وما المهارات الحرجة؟ ومن يستطيع الانتقال إلى دور آخر بعد تدريب قصير؟ وأين يجب الاستثمار في إعادة التأهيل؟ هنا يتحول التدريب من نشاط دوري إلى قرار استراتيجي، والتوظيف من البحث عن مسمى وظيفي إلى البحث عن مزيج من القدرات، والتطوير المهني من انتظار الترقية إلى بناء مهارات تسمح للفرد بالانتقال والنمو. قد لا تختفي السيرة الذاتية التقليدية قريبًا، ولا ينبغي أن تختفي. لكن قدرتها على تفسير القيمة المهنية للفرد ستتراجع إذا بقيت منفصلة عن مهاراته الفعلية والمتجددة. ففي سوق العمل القادم، قد تظل الشهادة بوابة الدخول، وتبقى الخبرة رصيدًا مهمًا، لكن المهارة التي يستطيع الإنسان إثباتها وتطويرها باستمرار ستكون جواز الاستمرار والتقدم في عالم المهن.