في غمرة المسير، وحين تلتف حول أعناقنا حبال المسؤوليات، تبدو الواجبات كالجبال الراسيات، لكنها في ميزان اليقين خفيفة بمدد الله. ففي العبودية والتوكل، لا يُساق العبد إلى مَيدان إلا وقد هُيئت له عُدته. فلا عجز مع التكليف، ولا خذلان مع اللجوء، لأن القيمة العظمى التي تُدير هذا الوجود تختصرها بضع كلمات: «إذا كلفك.. كفلك».

إنها معادلة اللطف الإلهي التي لا تخطئ، وبلسم القلوب المتعبة التي أنهكها البذل. فالذي استودعك هذه المهمة الشاقة، ونصبك في هذا الثغر، لم يتركك وحدك لتواجه عواصف التدبير بمفردك.

وقد تجلّت هذه المعادلة الإلهية في أبهى صورها يوم أن نادى الله موسى عليه السلام في وادٍ قفرٍ بارد، فألقى عليه كلفة الرسالة لمواجهة طاغية زمانه، قال تعالى: «اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى». تكليفٌ ينوء به الوجود، لكن الكفالة الربانية أحاطته فوراً بالوعد الأسمى: «إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى». وهكذا، ما ألقى الله على كاهل موسى كلفة الرسالة لمواجهة أعتى ملوك الأرض، إلا وكفله بالمعية، والرعاية، وشرح الصدر، وتيسير الأمر، حتى تحول الخوف إلى ثبات أذهل العالم.

ولم تكن سير الأنبياء مجرد حكايا تُروى، بل هي مناراتُ هدى ومكامنُ تسليةٍ لقلوبنا المتعبة، مصداقاً لقوله تعالى: «وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ». فكلما قرأنا عن أثقالهم وكيف كُفِلوا، رسخت أقدامنا، واشتدت عزائمنا، وعلمنا أن التعب دربٌ ممهد بالأنوار، طالما سار فيه العظماء قبلنا فبلغوا مددهم ومقصدهم.

رسالة أخيرة

تأمّل في خبايا يومك، تجد أن مع كل وخزة تعب مدداً لا تراه، وقوةً تنبت في فؤادك فجأة، كعشبٍ أخضر شقّ صخرةً صمّاء. هذا هو لطف رب العالمين؛ يضع على كتفك حملاً، ويغرس في قدمك القوة لتسير به. هو سبحانه لا يعطيك التكليف فارغ اليدين، بل يملأ يديك بالمعونة قبل أن يطالبك بالمسير.