مع تسارع الأيام، وتعدد أدوار المرء في الحياة، ندرك أن النضج الحقيقي لا يتمثل في المقاومة الغاضبة لتغيّر المحطات، بل إن الصورة الأمثل تتمثل في معرفة كيفية عبورها، وأخذ العِظات منها، وما الذي نتركه فيها، وما الفرصة المثلى التي يمكن استثمارها في مرحلة التغيير؛ لأننا سندرك حتماً أن الأجمل أن نظل اليد التي يمتد أثرها إلى الآخرين، وسندرك يوماً أننا أضحينا في أماكن جديدة نصنع فيها أثراً أجمل، ونفكر بعمق أكبر. وإن لم تكن المحطة هي الأمل الذي كنا نطمح إليه، فإن الغاية التي ندرك أنها الأهم في حياتنا تبقى إرضاء المولى الكريم، وتبقى النية الصادقة التي كثيرًا ما تُصحح مساراتنا، وبها نفوز في مختلف معتركات الحياة.
المحطات تتغير، ولكن النفوس الأصيلة تبقى تؤدي أدوارها بإحسان وإن تغيرت المحطات، بل تظل اليد المعطاءة التي تبذل بلا مِنّة، فهناك أماكن تصبح ذكرى، ولكن الأعمال الخالدة تبقى أثراً ممتداً للأجيال. والسؤال الذي يجب أن يكون ميزان انتقالنا إلى محطات أخرى: أين كنا بالأمس، وأين أصبحنا اليوم؟ وماذا تركت تلك المحطة فينا من أثر؟ بل ماذا تركنا نحن في مساحاتها؟ وماذا يا ترى سنكون في محطتنا الجديدة؟ أسئلة تفرض نفسها في مختلف أصداء الحياة.
تغيّرت الوجوه، وتغيّرت الأسماء، وبقيت مسيرة الخير تحتفي بالمتفوقين للسنة الثانية والعشرين على التوالي في محطة المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية. ومع امتداد هذه المحطة الجميلة التي عاصرنا أثرها طوال تلك السنوات، المكسوّة بإرث خمسة وعشرين عاماً من العطاء الإنساني، يبقى الأثر هو الخيط الذي يجمع كل تلك المحطات، ويستذكر جمالها وابتسامتها وفرحتها كل من وطئت قدماه مسرح التكريم، لتبقى ذكراها خالدة في وجدانه، ولتبقى صورها محفزة له في مختلف محطات حياته. هذا ما لمسته في الحفل الثاني والعشرين لتكريم الطلبة المتفوقين، الذي أقامته مؤخراً المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية، واحتفت فيه بتكريم 773 طالباً وطالبة من المتفوقين في مختلف المراحل الدراسية، إلى جانب تكريم 20 طالبًا وطالبة من الحاصلين على جائزة «ريادة وتميّز»، ممن حققوا أعلى الدرجات في نهاية كل مرحلة دراسية.
لم يكن الحفل مناسبة عادية، بل كان احتفاءً بأبناء المستقبل، وروّاد الخير في نهضة البحرين الحبيبة، واحتفاءً بمسيرة خمسة وعشرين عاماً من عطاء الرؤية الملكية السامية لجلالة الملك المعظم، حفظه الله ورعاه. كما احتفى بالأم؛ كونها صانعة التغيير في حياة الأبناء، والداعم الأكبر لهم في طريق وصولهم إلى أعلى المراتب. حفل بهيج وجميل رسم لوحة إنسانية رائعة؛ حكاية أم جاهدت لتكون عنواناً للتميّز في حياة أبنائها، وحكاية ابنة كانت يوماً ما متفوقة على المسرح ذاته، وضيفة في قصر جلالة الملك المعظم، حتى أضحت اليوم رائدة أعمال وصاحبة مشروعات، رفعت اسم البحرين عالياً. وتبقى محطة التغيير الجميلة هي تلك المحطة الإنسانية التي يفخر بها كل من عاش سنوات من عمر هذه المؤسسة، ويبقى روّادها أولئك الذين أعطوا من وقتهم وجهدهم وعصارة فكرهم الشيء الكثير؛ كل من أسس، وشارك، وعمل، ولو لبضع سنوات. إنها المحطة التي أبهجتنا، وستبقى حاضرة في ذاكرة التاريخ الجميل.
ومحطة العمل هي الأخرى محطة تغيير في حياة العاملين؛ فليس المغزى من التغيير تبديل الأماكن والمقاعد والطاولات، بقدر ما هو تغيير في الفكر والعطاء ومنهجية العمل، وتطوير للنظام الإداري، بما يعزز تأسيس منظومة متكاملة من المبادرات والعمل المؤسسي المتقن الذي يقوم على أسس واضحة وراسخة، لا على الأفراد الذين سينتقلون يوماً إلى مناحٍ أخرى من الحياة.
يجب أن نفهم جيداً أن العمل لا يُبنى على «المسميات الإدارية» بقدر ما يُبنى على روح الموظف وإخلاصه وسمته وعطائه، ونظرته الإيجابية إلى الأمور، وسعة صدره، ونبل أخلاقه، وحبه لأن يكون في صدارة المبادرين إلى عمل الخير، وأن يكون في محطة التغيير عنصراً فاعلاً ومؤثراً ومنتجاً، تبقى علامات أثره بائنة للأجيال، ويبقى تأثيره واضحاً على مر الزمان. إن محطة التغيير في الأعمال لابد منها، وبخاصة إذا وصلت منظومة التطوير إلى مرحلة من الثبات؛ فحينها لا بد أن تتجدد الرؤى الإدارية، وتتطور أساليب العمل، وتتسع مساحات التطوير، وصولاً إلى منظومة أكثر نضجاً وثباتاً، تتناسب وطبيعة العمل المؤسسي المنظم.
أما محطة التغيير الإيماني، فهي المحطة الأهم في عمر الإنسان، فحال الإنسان الإيمانية لا تبقى على وتيرة واحدة، بل تتغير مع تقدم العمر، ومع تغيّر نظرة المرء إلى عمره ورسالته في هذه الحياة. ومرحلة التغيير والتجديد الإيماني ينبغي أن تكون محور اهتمام المسلم في كل لحظاته، وفي كل يوم يتنفس فيه الحياة؛ لأنها المحطة الأهم في مسيرنا في هذه الدنيا. فلا ينتظر مواسم الخير حتى يبدأ التغيير الذي ينشده، بل ينبغي أن يكون دائماً على طريق الخير والطاعة والعبادة، حتى إذا جاءت ساعة انتهاء أجله في هذه الحياة، كان على طاعة وعبادة وحسن صلة بالمولى الكريم. لقد حان أوان التغيير، ومن المؤسف أن نرى ذلك الهدر الموحش في الأوقات والأعمال، حتى أضحى بعض شبابنا اليوم لا يقبل التغيير والتجديد الإيماني، وينشغل بمناحي الحياة الهامشية، ويتناسى عبادة المولى الكريم التي تقرّبه إليه، وتكون سبباً في نجاحه وفلاحه وتوفيقه في الحياة، فيدع الشيطان يتسلل إلى نفسه وحياته، فيلهيه عن الخير، ويصرفه عن سبل الطاعة والعبادة.
ومضة أمل
كثيراً ما أتأمل قول المولى عز وجل: «وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ»، وأقول في قرارة نفسي: كم نحن مقصرون في شكر الله تعالى على نعمه! فقد أعطانا من الخير الكثير، وسخّرنا لنكون من روّاد التغيير، وصنّاع الأثر الجميل في حياة الآخرين، وفي مساحات واسعة من العطاء المستدام. ربي لك الحمد ولك الشكر، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. اللهم استعملنا ولا تستبدلنا، ووفقنا إلى كل خير ترضاه عنا، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وسخّر لنا من عبادك الأوفياء الأتقياء من يعينوننا على فعل الخير.