عندما بدأت الحرب العالمية الثانية سنة 1939، أُخليت لوحات المعرض الوطني في لندن خوفا عليها من القصف، وأغلقت أماكن كثيرة اعتاد الناس ارتيادها.
يومها جاءت عازفة البيانو البريطانية «ميرا هس» بفكرة ربما بدت غريبة في وقتها، قالت: «ما دام المعرض فارغاً، فلماذا لا تقام فيه حفلات موسيقية وقت الظهيرة»؟!
بدأت الحفلات في أكتوبر من العام نفسه، واستمرت طوال سنوات الحرب، حتى في أيام القصف. وتشير سجلات المعرض إلى إقامة 1698 حفلة حضرها أكثر من 824 ألف شخص.
هذه الحادثة، لم تغير شيئاً في الحرب، فالقنابل لم تتوقف من أجل الموسيقى، لكن الناس كانوا يخرجون من الشوارع التي تعيش الحرب، ويدخلون إلى قاعة ليستمعوا إلى البيانو. ربما كانوا يحتاجون إلى ساعة واحدة تقول لهم إن هناك شيئا آخر في الحياة غير الحرب. وكان هذا هدف ”ميرا» وهو رفع الروح المعنوية للشعب البريطاني.
تذكرت هذه القصة ونحن نعيش في منطقة أصبحت أخبارها خلال الفترة الأخيرة أثقل من المعتاد، وأقرب إلينا أيضاً. أسماء الأماكن والممرات البحرية والتحركات العسكرية وأسماء الأسلحة وأنواعها التي كانت مادة لنشرات الأخبار، أصبحت جزءاً من الحديث اليومي في البيوت والمجالس.
وهنا القلق طبيعي؛ إذ لا أظن أن الإنسان يحتاج للتظاهر بغير ذلك.
لكن، من الصحافة وطوال السنين الطويلة تعلمت أن الخبر الكبير حين يدخل غرفة التحرير يحتلها بالكامل. تتجه العيون إلى الشاشات ووكالات الأنباء، ويبدو للحظات وكأن العالم كله توقف عند ذلك الخبر.
ثم تخرج إلى الشارع. فتجد الناس كما هم. شخص يبحث عن موقف لسيارته، وآخر ينتظر طلبه في مطعم، وأطفال يضحكون، ومتاجر تفتح أبوابها، وبعضهم يناقش نتيجة مباراة وقرارات الحكم وكأن ذلك أهم قضية في اليوم.
هذه المشاهد لا تلغي ما يحدث حولنا. لكنها تضعه في مكانه الصحيح.
في منطقتنا اليوم ما يستحق المتابعة والحذر. لكن لا فائدة من أن يصبح القلق برنامجا يوميا يبدأ معنا في الصباح، وينام معنا في الليل.
الناس في لندن قبل أكثر من ثمانين عاما لم يذهبوا لسماع ”ميرا هس» لأنهم نسوا الحرب. كانوا يعرفون جيدا ماذا يجري في الخارج، وربما كانوا سيعودون بعد الحفل إلى سماع صفارات الإنذار من جديد. ومع ذلك ذهبوا.
ستفتح المقاهي والمطاعم، وتمتلئ دور السينما، وتزدحم مراكز التسوق، ويذهب الناس إلى مجالسهم ولقاءاتهم، وفي مكان ما سيبقى شخص يتابع آخر خبر وصل إلى هاتفه.
هكذا تمضي الحياة. لا تحتاج إلى خطب كبيرة، ولا إلى إعلان بأن الأمور عادت إلى طبيعتها. يكفي أن تُفتح الأبواب.
إجازة نهاية أسبوع سعيدة.
ملاحظة
”ميرا هس» مُنحت رتبة قائدة وسام الإمبراطورية البريطانية عام 1936، ورتبة «ديم» أي ”قائد في الإمبراطورية البريطانية» عام 1941، وذلك تقديراً لخدماتها الفنية والوطنية.