ليست كل الكلمات التي تُقال عابرة، وليست كل الرسائل موجّهة إلى لحظتها، فبعضها يستدعي ذاكرة أمة، ويضع أمام أجيالها مسؤولية الحفاظ على ما جمعها، وصون ما صنعته من روابط، والمضيّ معاً نحو مستقبل أكثر رسوخاً وازدهاراً، ومن هذا المعنى تأتي رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، إلى أبناء الخليج، بما حملته من مضامين تتجاوز استحضار التاريخ المشترك إلى التأكيد على أن هذا التاريخ أمانة، وأن المحافظة عليه مسؤولية تتقاسمها الأوطان والأجيال.
حين يتحدث سموه عن التاريخ الواحد، والجغرافيا الممتدة، والأنساب المشتركة، والبحر الذي يجمع أبناء الخليج والصحراء التي تضمهم، فإنه يستحضر حقيقة راسخة في وجدان المنطقة، وهي أن الخليج لم يكن يوماً مجرد حدود سياسية تفصل بين دول، بل فضاءً إنسانياً وحضارياً تشكّلت فيه علاقات الجوار والمصاهرة والتجارة، وتداخلت فيه العادات واللهجات والتقاليد، وتشابهت فيه الأفراح والتحديات، حتى أصبحت ذاكرته المشتركة أوسع من الخرائط، وأعمق من التحولات التي شهدتها المنطقة عبر تاريخها.
لقد عرف أبناء الخليج البحر قبل أن يعرفوا اتساع الأسواق العالمية، وخاضوا رحلة الكفاح في طلب الرزق، من الغوص على اللؤلؤ وصيد الأسماك والتجارة البحرية إلى بناء الاقتصادات الحديثة، وتأسيس المؤسسات، والانفتاح على العالم، وبين الأمس واليوم، تغيّرت المدن، وتطورت أنماط الحياة، وتبدّلت أدوات العمل والإنتاج، لكن بقيت الهوية الخليجية بما تحمله من أصالة وقيم اجتماعية وروابط إنسانية رصيداً لا يمكن اختزاله في مظاهر العمران أو مؤشرات التنمية وحدها.
ولعل الرسالة الأهم في حديث سمو الشيخ محمد بن راشد تتمثل في التنبيه إلى أن ما يجمع أبناء الخليج لا ينبغي أن تفرّقه ساحات الإعلام، ولا أن تضعفه حسابات التواصل الاجتماعي، ففي زمن أصبحت فيه الكلمة تنتشر خلال ثوانٍ، باتت مسؤولية الوعي أكبر، وأصبح التمييز بين الاختلاف المشروع والخطاب الذي يغذّي الفرقة ضرورة وطنية ومجتمعية، فالاختلاف في الرأي وارد وطبيعي، وتباين وجهات النظر لا يلغي وحدة المصالح، والنقد المسؤول لا يتعارض مع الانتماء، ما دام قائماً على الحقيقة والاحترام والحرص على المصلحة العامة.
وهنا تبرز مسؤولية الإعلام الخليجي، بمختلف وسائله ومنصاته، في أن يكون جسراً للتواصل والتقارب، فالإعلام الذي يعرف قيمة التاريخ المشترك لا يكتفي بنقل الأحداث، بل يساهم في تشكيل الوعي، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرّف على جذورها، ويفتح أمامها مساحات للحوار والتفاهم، ويذكّرها بأن الروابط التي امتدت عبر القرون تستحق خطاباً يحفظها ويعززها، وفي الوقت نفسه، فإن وحدة التاريخ لا تعني تطابق التجارب، ولا تستلزم أن تكون الدول نسخة واحدة من بعضها بعضاً، لكل دولة خليجية خصوصيتها ومسيرتها وأولوياتها الوطنية، وهذه الخصوصية لا تتناقض مع التعاون، بل يمكن أن تصبح مصدر قوة حين تتكامل الخبرات وتتقارب الرؤى وتتبادل المؤسسات التجارب الناجحة، وقد أشار سموه بوضوح إلى أن المطلوب ليس تجاهل خصوصية الدول، بل تعزيز التقارب، وتقوية المؤسسات، وتنسيق الجهود.
ومن هنا، فإن المعنى العملي للتاريخ الواحد لا يقف عند حدود الاعتزاز بالماضي، وإنما يمتد إلى بناء شراكات أوسع في الاقتصاد والتعليم والإعلام والثقافة والابتكار، وإلى تمكين الشباب الخليجي من رؤية مستقبلهم باعتباره مساحة مشتركة للفرص والطموحات، فالأجيال الجديدة لا يكفي أن نروي لها حكايات الآباء والأجداد، بل ينبغي أن نمنحها أسباباً جديدة لتشعر بقيمة انتمائها الخليجي، من خلال ما تراه من تعاون، وما تلمسه من فرص، وما تجده من تقارب في المصالح والمواقف.
إن الرسالة التي تستحق أن تبقى في وجدان أبناء الخليج هي أن التاريخ المشترك لا يحفظ نفسه بنفسه، بل تحميه الحكمة، ويصونه الوعي، ويعززه التعاون، وتمنحه الأجيال المتعاقبة حياة جديدة، فالخليج الذي جمع الآباء والأجداد بوشائج القربى والجوار والعمل والكفاح، جدير بأن يجمع أبناءه اليوم بطموحات التنمية والمعرفة والابتكار، والتاريخ الواحد ليس حنيناً إلى زمن مضى فحسب، بل مسؤولية عن زمن نعيشه، وعهدٌ مع أجيال لم تأتِ بعد.
باختصار، قد تتعدد الدول والتجارب، لكن يبقى الخليج فضاءً يجمعه تاريخ عريق، وتربطه مصالح مشتركة، ويستحق مستقبلاً تصنعه الحكمة والتعاون ووحدة القلوب.