لم يكن السؤال الذي سمعه مراسل صحيفة «لوموند» في أحد شوارع باريس السبت الماضي سؤال متسوق يبحث عن متجر فاخر. فقد جاء وسط فوضى اقتحام المحلات وتحطيم الواجهات، حين كان بعض اللصوص يبحثون عن غنيمتهم التالية. وفي مشهد كهذا، يصعب أن تجد علاقة بين المطالب التي خرج الناس للتعبير عنها، وبين شخص يفتش عن حقيبة باهظة الثمن ليسرقها!
شهدت فرنسا في الأيام الماضية احتجاجات على أوضاع تعليمية ومعيشية، لكن مجموعات استغلت التجمعات، واندفعت إلى التخريب والنهب. وفي ميلانو الإيطالية تكرر المشهد بصورة أخرى؛ مظاهرة بدأت سلمية، ثم تحولت بعض شوارعها إلى مواجهات وتحطيم وعمليات سرقة، وأغلقت متاجر فاخرة أبوابها خشية الاعتداء عليها. واللافت ليس وقوع أعمال الشغب وحده، بل سرعة ظهور من لا يعنيه موضوع الاحتجاج بقدر ما تعنيه فرصة الإفلات بمسروقات.
هذا ليس سلوكاً جديداً. ففي أغسطس 2011، بدأت احتجاجات في منطقة توتنهام بلندن عقب مقتل مارك دوغان برصاص الشرطة، ثم شهدت العاصمة ومدن بريطانية أخرى أعمال شغب ونهب واسعة. يومها شاهد العالم أناساً يخرجون من متاجر محطمة حاملين أجهزة إلكترونية وملابس وأحذية. اختلفت بداية الأحداث عن باريس وميلانو، لكن المشهد الذي تلاها كان متشابهاً، إذ هناك دائماً من ينتظر انشغال الناس والشرطة، ليمارس الجريمة تحت غطاء حشد كبير.
ثمة فارق واضح بين من يتحمل مشقة الخروج ليقول رأيه، ومن يتسلل إلى الحشود ليحطم واجهة ويهرب. الأول يعلن موقفه ويتحمل مسؤوليته، أما الثاني فيستتر خلف الآخرين ليفلت من المحاسبة. وليس من الإنصاف وضعهما في خانة واحدة، كما أنه ليس من الإنصاف أن تتحول مشروعية المطلب إلى ذريعة لتبرير جريمة ارتكبها شخص آخر.
من حق الناس أن يكون لهم رأي في أوضاعهم، وأن يعبروا عنه بالوسائل التي يجيزها القانون. وقد تكون المظاهرات مرخصة ومنظمة، بل وقد يتفق المرء مع بعض مطالب المشاركين فيها. غير أن أياً من ذلك لا يمنح فرداً واحداً الحق في إلقاء حجر على شرطي، أو إحراق سيارة، أو الاعتداء على متجر، أو الاستيلاء على ممتلكات الآخرين. الخلاف مع سياسة اقتصادية لا يبيح سرقات سلع، والاعتراض على قرار ما لا يجعل تحطيم واجهة محال تجارية عملاً نبيلاً.
الأسوأ أن اللص لا يكتفي بسرقة البضاعة، بل يسرق أيضاً سمعة القضية التي خرج الآخرون من أجلها. فصاحب المتجر الذي فقد رزقه، والعامل الذي يخشى على مكان عمله، والأسرة التي تجد نفسها وسط الفوضى، لا يعنيهم كثيراً ما رفعه المعتدون من شعارات. هؤلاء يدفعون ثمن أفعال لم يرتكبوها، بينما يجد أصحاب المطالب أنفسهم مضطرين إلى الدفاع عن صورتهم بدلاً من شرح آرائهم.
لذلك لا ينبغي تلطيف هذه الأفعال بتسميات من قبيل «التعبير عن الرأي» أو «رد فعل على ضغوط ما». قد تفسر الظروف لماذا يجتمع الناس للاحتجاج، لكنها لا تبرر لماذا يمد أحدهم يده إلى مال غيره. فالسرقة سرقة، والتخريب تخريب، أياً كانت اللافتة المرفوعة في الشارع. وهذه سلوكيات منحرفة لا تصدر عن إنسان سوي يحترم حقوق الآخرين، وتستوجب حماية المجتمع منها وتطبيق القانون بحزم.
أما السؤال الذي يستحق أن يطرح بعد كل مشهد من هذا النوع، ليس لماذا احتج الناس فقط، وإنما كيف وجد اللصوص في احتجاجهم فرصة مفتوحة للنهب؟!
في باريس، لخص أحدهم الحكاية من دون أن يقصد؛ لم يسأل عن مطلب أو حل، بل سأل ببساطة: «أين شانيل»؟!.