د. سهير بنت سند المهندي
الناصية
لم تعد أخطر ورقة يحملها الطالب إلى قاعة الامتحان ورقةً مخبأة في جيبه؛ فقد أصبح يحمل في هاتفه عقلاً إلكترونياً يستطيع أن يكتب، ويختصر، ويترجم، ويقترح الإجابات في ثوانٍ. ومن هنا، لم يعد السؤال التربوي: كيف نمنع الذكاء الاصطناعي من دخول المدرسة؟ بل: كيف ندخله من الباب، وتحت عين المعلم، وفي خدمة عقل الطالب؟ بهذا المعنى يمكن قراءة...
في صباحٍ عادي، وقف رجلٌ سبعيني أمام شاشة هاتفه، يحاول حجز موعدٍ طبي. كانت الخدمة، في وصف المؤسسة، «فورية وسهلة»، لكنها أمام عينيه بدت كدهليزٍ طويل: رقمٌ سري، ورمز تحقق، ورسالة تختفي قبل أن يتمكن من قراءتها. لم يكن الرجل أمياً؛ لقد قرأ الحياة جيداً، وربّى أبناءً، وخدم وطنه عقوداً، غير أن الباب الجديد لم يعترف بكل تلك الخبرة، وطلب...
في السياسة، هناك قرارات تعالج أزمة قائمة، وهناك قرارات تصنع مستقبلاً مختلفاً، والفرق بينهما هو الفرق بين ردّ الفعل وصناعة التاريخ، ومن هذا المنطلق، فإن مشروع الربط المائي الخليجي لا أراه مجرد مشروع خدمي، ولا حتى مشروعاً استراتيجياً بالمعنى التقليدي، بل أراه تحولاً في طريقة التفكير الخليجي تجاه مفهوم الأمن والتنمية معاً. لقد...
من يقرأ صحف البحرين خلال الأسبوع المنصرم لن تستوقفه كثرة الأخبار بقدر ما يستوقفه انتظامها في معنى واحد: الدولة في أوقات القلق لا تُقاس بحجم ما تعلنه، وإنما بقدرتها على إبقاء حياة الناس مستقرة، أن يعود الطالب إلى مقعده، ويجد المريض دواءه، وتصل السلع إلى الأسواق، وتظل أبواب الاستثمار مفتوحة؛ تلك أعمال يومية في ظاهرها، غير أنها...
د. سهير بنت سند المهنديفي تاريخ الأوطان، لا تُقاس المؤسسات بعدد الأعوام، بل بعدد الأبواب التي فتحتها، والعقول التي غيّرتها، والحقوق التي نقلتها من هامش التمنّي إلى صلب الواقع. ومن هذه الزاوية، لا يبدو اليوبيل الفضي للمجلس الأعلى للمرأة احتفالاً بمؤسسة بلغت عامها الخامس والعشرين، بل قراءةً في ربع قرن أعادت فيه البحرين تعريف...
قرأتُ كلمة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، في ذكرى المولد النبوي الشريف أكثر من مرة، في القراءة الأولى بدت لي كلمةً تستحضر سيرة النبي الكريم ﷺ وما تركته في وجدان الأمة من رحمة وعدل ومكارم أخلاق، وفي القراءة الثانية وجدتني أمام خطاب يتجاوز المناسبة إلى سؤال يمس حياتنا اليوم: كيف نحفظ وطناً تتزاحم...
في حياة الأوطان لحظات تختصر خطباً طويلة، وتقول بالصورة ما قد تعجز عنه الكلمات، وكان مشهد حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه وهو يقف بين أبنائه وبناته في مدينة شباب 2030، واحداً من تلك المشاهد التي لا تمرّ بوصفها زيارة عابرة؛ فقد بدا الوطن كأنه يطمئن بنفسه إلى الجيل الذي سيحمل رايته، ثم...
في البحرين، قد تبدأ الحكايات الكبيرة من تفاصيل تبدو صغيرة: طفل يتعلم كيف يرتب حقيبته، يقود فريقاً، يتحمل مسؤولية قرار، أو يمد يده لزميله قبل أن يطلب منه أحد ذلك، و«هنا»، بالضبط، تبدأ «سالفة المستقبل». قبل عقود، كانت الحركة الكشفية واحدة من المدارس الصامتة التي صنعت أجيالاً من الرجال. لم تكن خيمةً وصفارةً وزياً موحداً، بل...
ثمة جوائز تُمنح للأعمال الصحفية، وثمة جوائز تمنح الصحافة نفسها فرصة لأن تتأمل صورتها في مرآة الزمن، وجائزة رئيس مجلس الوزراء للصحافة، في عامها العاشر، تنتمي إلى النوع الثاني؛ لأنها لم تعد مجرد منصة لتكريم من كتبوا وصوّروا وحققوا، بل أصبحت مساحة سنوية لقياس ما بلغته الصحافة البحرينية من نضج مهني وقدرة على مواكبة تحولات المجتمع...
يتغير وجه الجريمة في عالمنا اليوم بشكل متسارع لم نعهده من قبل، فلم تعد شبكات الاتجار بالأشخاص تعتمد فقط على الطرق التقليدية القائمة على الاستغلال في ظلال الظلام، بل دخلت بقوة إلى العالم الرقمي واستغلت تقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق لاصطياد الضحايا والتغرير بهم عبر منصات التواصل الاجتماعي وشبكات الإنترنت العابرة...
في كل ثانية تتدفق آلاف عمليات الشراء عبر الإنترنت، وفي كل دقيقة يولد متجر إلكتروني جديد، بينما تتطور أساليب الاحتيال الإلكتروني بوتيرة أسرع من تطور وعي المستخدمين، ولم تعد الجريمة الإلكترونية مجرد مواقع مزيفة أو رسائل مضللة، بل أصبحت صناعة عالمية توظف الذكاء الاصطناعي، والتزييف العميق، والهويات الرقمية الوهمية، لتصنع واقعاً...
هناك دول تبني الطرق والجسور، وأخرى تبني الموانئ والمطارات، لكن الدول التي تقود المستقبل هي تلك التي تبني «الثقة الرقمية»، وهذه الثقة ليست شعاراً تقنياً ولا منتجاً إلكترونياً، بل هي منظومة متكاملة تجعل المواطن يثق بأن الخدمة ستصله في الوقت المناسب، وأن بياناته مصونة، وأن مؤسسات دولته قادرة على الإنجاز بالكفاءة نفسها التي...