قرأتُ كلمة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، في ذكرى المولد النبوي الشريف أكثر من مرة، في القراءة الأولى بدت لي كلمةً تستحضر سيرة النبي الكريم ﷺ وما تركته في وجدان الأمة من رحمة وعدل ومكارم أخلاق، وفي القراءة الثانية وجدتني أمام خطاب يتجاوز المناسبة إلى سؤال يمس حياتنا اليوم: كيف نحفظ وطناً تتزاحم حوله التحديات، وتدخل إليه الفتنة أحياناً من باب كلمة مستهترة أو شائعة عابرة؟
كُتب كثيراً في الصحافة المحلية عن مضامين الكلمة، وتحدثت الفعاليات الوطنية عن التسامح والاعتدال ووحدة الصف والتعايش، وهي معانٍ حاضرة بقوة في الخطاب الملكي، لكن ما استوقفني حقاً هو ذلك الانتقال الهادئ من الحديث عن مولد الرسول ﷺ إلى الحديث عن مسؤوليتنا نحن، فجلالته لم يرد للسيرة أن تبقى حكاية جميلة نرويها في المناسبات، وإنما أرادها ميزاناً نقيس به سلوكنا وعلاقاتنا وطريقة اختلافنا مع بعضنا بعضاً.
عبارة «أن تكون الكلمة أمانةً تحفظ أمن الناس ووحدتهم» تستحق أن نتوقف عندها طويلاً، نحن نعيش زمناً أصبحت فيه الكلمة أسرع من التفكير، وقد يصل خبر كاذب إلى آلاف الناس قبل أن يسأل أحدهم: هل هو صحيح؟ وربما يبدأ تعليق صغير خصومةً، أو يفتح مقطع مبتور باباً للشك بين أبناء المجتمع، من هنا لم تعد مسؤولية الكلمة أمراً يخص الإعلاميين والكتّاب وحدهم؛ إنها مسؤولية كل من يحمل هاتفاً ويستطيع أن ينشر أو يعلّق أو يعيد الإرسال.
وفي دعوة جلالة الملك المعظم إلى مواجهة الفرقة بالتآلف، تبدو خبرة الحكم واضحة، فالدولة تستطيع أن تسن القوانين وتحمي حدودها، لكنها تحتاج أيضاً إلى مجتمع يعرف كيف يصون نفسه من الداخل، لا يكفي أن يعيش الناس في أرض واحدة؛ المهم أن تبقى بينهم الثقة، وأن يختلفوا من دون أن يتحول اختلافهم إلى قطيعة أو كراهية.
وحين وصف جلالته أهل البحرين بأنهم ورثة ذلك القبس النير وأمناء على قيمه، شعرت أن العبارة تحمل محبةً وتكليفًا في الوقت نفسه، إنها ثقة ملك في شعبه، لكنها كذلك مسؤولية يضعها أمام كل بحريني: أن يحفظ طيبة هذا المجتمع، وألا يسمح لصوت طارئ بأن يبدد ما صنعته أجيال من التآخي وحسن الجوار.
وللكلمة بُعد يتجاوز حدود البحرين، ففي عالم تُربط فيه الأديان أحياناً بالصراع، قدم جلالته الإسلام كما عرفناه في جوهره: ديناً يبني الإنسان، ويحض على العلم والعمل، ويجعل الرحمة طريقاً لحفظ الكرامة الإنسانية، إنها رؤية دينية متجذرة، لكنها منفتحة على العالم، وتفهم أن قوة الأوطان لا تنفصل عن أخلاقها.
لهذا لم أقرأ الكلمة بوصفها خطاباً في مناسبة مضت، بل وصيةً للأيام المقبلة، فمحبة الرسول ﷺ لا تُقاس بقدر ما نقول في مولده، وإنما بما يبقى من أخلاقه فينا بعد انقضاء المناسبة، ولعل أجمل احتفاء به أن نحرس وطننا من كلمة تفرّق، وأن نمنح كل كلمة نقولها شيئاً من الرحمة التي جاء بها.
* إعلامية وباحثة أكاديمية