رحل رمضان كما رحل غيره، ومضت أيامه سريعاً، كما اعتدنا أن نصف أعمارنا بالسرعة والانقضاء. انقضت «الأيام المعدودات»، ونحن ما زلنا نتنعم بنسائمه العطرة.

رمضان كلُّه خيرٌ وبركة، وكلُّ ما فيه نعمٌ نستشعر حضورها في أنفاس حياتنا، ونمتن لفيضها علينا. سبحان الله تعالى، كل شيء في رمضان مختلف، وكأنه محطة استثنائية خارج إيقاع الدنيا؛ نرتحل فيه إلى الخيرات، ونتقرب إلى المولى الكريم بأنواع القربات.

لعلّ بعض الناس حُرم خيره، لا لعجزٍ أو قلةٍ، بل لأنه لم يستشعر قيمة هذا الشهر، وتعامل مع حضوره كأيّامٍ عادية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رغم أنف «خاب وخسر» رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يُغفر له..».

وفي المقابل، هناك من تشبعت روحه ووجدانه بكل أطيافه، فبات متلذذًا بالعبادات؛ صائماً قائماً، مرتلاً للقرآن، ذاكراً مسبحاً، متنعّماً بالأذكار، متصدقاً، معتكفاً، محافظاً على تكبيرة الإحرام، بارّاً بأرحامه، مفطراً للصائمين، واصلاً لأصحابه، ومقبلاً على الدعاء والإنابة. إنها بحق حكاية مختلفة لا تشبه غيرها.

نسأل الله تعالى أن يتقبل منا رمضان، ويتجاوز عن تقصيرنا، ويجعلنا ممن صامه وقامه إيماناً واحتساباً، وممن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، فكتب له الخير والسعادة وأجمل الأقدار، وألا يجعل هذا آخر عهدنا برمضان، وأن يرزقنا بلوغه أعواماً عديدة، ونحن في أفضل حال، فائزين بالقبول والرضوان.

جزى الله خيراً ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، وصاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، على توجيهاتهما السديدة، وإدارتهما الرشيدة لمنظومة العمل في البلاد، في ظل الأزمة التي تمر بها مملكتنا الحبيبة ودول الجوار جرّاء الاعتداءات الإيرانية الغاشمة.

وقد تجلى ذلك في الحرص على بث الطمأنينة، وإشاعة الروح الإيجابية بين الناس، وهو ما لمسناه بوضوح في أداء الأجهزة الإدارية والأمنية والعسكرية والإعلامية، كلٌّ في مجاله، في التعامل مع مجمل الأحداث.

فجزاهم الله خير الجزاء على ما يبذلونه من جهود عظيمة، وكتب أجرهم.

وستبقى البحرين بإذن الله تعالى واحة خيرٍ واستقرار، ومجتمعاً قائماً على التكافل والتراحم، بأيادٍ ممدودةٍ للخير، وقلبٍ واحدٍ ينبض بالعطاء والمحبة.

وستظل خطوات أهلها ماضية في قضاء حوائج الآخرين؛ فذلك من أصيل شيمهم، أن يساند بعضهم بعضاً، وأن يحبوا الخير لغيرهم كما يحبونه لأنفسهم، وأن يسهموا في تفريج الهموم، وتنفيس الكربات.

وما أجملها من رسالة نؤديها ابتغاء وجه الله تعالى، وخدمةً لبلادنا الغالية. حفظها الله من كل مكروه.

ثمّة رسائل إيجابية جميلة، لعلها لا تحظى بما تستحق من تداولٍ أو تقدير، وهي المتعلقة بدور أئمة المساجد والمؤذنين، الذين يضطلعون بجهودٍ كبيرة في إحياء بيوت الله، والقيام برسالتها في خدمة الناس والمجتمع، ولا سيما في جانب التوعية خلال شهر رمضان المبارك، في ظل هذه الظروف.

وتحية تقدير لرئيس مجلس الأوقاف السنية الشيخ راشد الهاجري، على مبادرته بشكر الأئمة والمؤذنين، ولإدارة الأوقاف السنية على حسن إدارتها وتوفيقها في الحرص على إقامة صلاتي التراويح والقيام رغم التحديات، وكذلك للشيخ زياد بن فيصل آل خليفة على ما عبّر عنه من إشادة عبر وسائل التواصل.

إن الدور الدعوي والتوعوي، وإمامة الناس، والمحافظة على شعيرة الأذان، ليست مهام يسيرة، بل مسؤوليات عظيمة تتطلب إخلاصاً وأمانة، وقدرة على كسب قلوب الناس، وترسيخ المعاني الشرعية في نفوسهم، وبث الطمأنينة فيهم، خصوصاً في أوقات الأزمات.

فالمساجد كانت وستبقى واحاتٍ للخير، ومناراتٍ للسكينة، ومجالس للتواصل المجتمعي. وتزداد بهاءً في شهر رمضان، حين يتحول المسجد إلى خلية إيمانية نابضة بالحياة.

فالدور هنا ليس وظيفةً فحسب، بل رسالة سامية ينبغي أن تؤدى بأكمل وجه. نسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومن جميع الأئمة والمؤذنين أعمالنا خالصةً لوجهه الكريم، وأن يتجاوز عن تقصيرنا، وأن يعيننا على أداء هذه الأمانة بما يرضيه.

عندما يُقبل العيد، فإنما تُقبل معه أيامٌ جديدة من الحياة. هي مواسم متجددة للخير، تعود لتجدد إيماننا، وتنعش أرواحنا، وكأنها تمنحنا ميلاداً جديداً. فرمضان -على سبيل المثال- هو ميلادٌ متجدد لكل من اجتهد فيه، وتفرغ للعبادة، ولاسيما في العشر الأواخر، متحرياً ليلة القدر التي أخفى الله تعالى وقتها، ليرتقي بها الصادقون.

فطوبى لمن وفق لإدراكها، فأحسن فيها العبادة، فكانت له بداية جديدة في مسيرة حياته، تتبدل فيها أقداره نحو الخير. إنه عيدٌ بحياةٍ جديدة، جديرٌ بنا أن نواصل فيه الطاعة، ونثبت على الخير، ونكون أفضل مما كنا. فمن علامات قبول العمل أن يوفق الله العبد للاستمرار فيه والمحافظة عليه. وقد كان من هدي السلف الصالح أنهم كانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يتقبل منهم رمضان.

فلنفرح بالعيد؛ فهو عيد الإسلام، وعيد الفرح بإتمام النعمة، وبلوغ رمضان على التمام. ولنبسط القلوب قبل الأيادي، ونعانق الفرح، حتى وإن خيّمت علينا ظروف صعبة؛ فالأجمل أن ننشر الطمأنينة والسكينة في النفوس، وأن نواصل حياتنا بثباتٍ وأمل.

فما هي إلا ابتلاءات تحمل في طياتها رحمات، يمحص الله بها القلوب، ويجدد بها الإيمان. فالحياة لا تسير على وتيرة واحدة، بل تتخللها منعطفات تعيدنا إلى الله تعالى، وتوقظ فينا معاني الرجوع والإنابة.

تواصلوا، تسامحوا، افرحوا، صِلوا أرحامكم وأصحابكم، واجعلوا العيد محطةً للمحبة والتجدد، وأكثروا من الدعاء أن يرفع الله تعالى هذه الغمة عن بلادنا، وأن يديم علينا الأمن والاستقرار.

ومضة أمل

اللهم تقبل منا رمضان، وأعده علينا أعواماً عديدة، وأزمنة مديدة، ونحن في صحةٍ وعافية، وسعة رزق، وطول عمر، نحن وأهلينا وذرياتنا وأحبابنا ومن نُحب.

واجعلنا ممن قبلت صيامهم وقيامهم، وممن قامه إيماناً واحتساباً، وممن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، وممن أعتقت رقابهم من النار. اللهم آمين.

عيدكم مبارك، وعساكم من عوّاده، وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال، وحفظ الله بلادنا من كل سوء، وأدام عليها نعمة الأمن والأمان والاستقرار.