كنت قد تناولتُ في مقالة سابقة تداعيات الاعتداء الإيراني والوضع القائم على السوق المحلي، خصوصاً المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال الشباب، حيث بدأت الأزمة تُلقي بظلالها على مئات من هذه المؤسسات، نظراً لتباطؤ الحركة الشرائية أو بسبب النقص أو ارتفاع الأسعار لعدد من المواد الأولية نتيجة تأثر سلاسل الإمداد العالمية.
وفور نشر المقالة؛ اتصل بي عدد من أصحاب المشاريع من الشباب، لشرح ما يمرّون به من ظروف نتيجة لتواصل العدوان الإيراني المتواصل لأكثر من شهر، حيث بدأ كثير منهم يعاني من نقص في السيولة بسبب تراجع المبيعات وبداية عجز عن الإيفاء بالالتزامات المالية الدورية، بما فيها تسديد القروض والإيجار وفواتير الكهرباء والماء وغيرها.
ولكن المشكلة الأكبر، في اعتقادي، تتمثّل في عجز بعض المؤسسات عن تسديد أجور العاملين، مما حدا ببعضها إلى تخفيض الأجور أو الطلب من الموظفين الخروج في إجازات بدون راتب، حتى وصل الأمر في بعض الأحيان إلى استغناء بعضها عن الموظفين، وهو ما قد يخلق حالة من القلق والارتباك في السوق، وبما ينعكس على استقرار الأسرة والمجتمع.
أعود وأذكر بما طالبت به سابقاً، وهو ما جاء في مقترحات مجلس النواب التي تمّ رفعها للحكومة، بضرورة تدخل حكومي سريع، وإنشاء صندوق خاص لدعم الأفراد والمؤسسات الوطنية المتضررة من الوضع القائم، على غرار صندوق الدعم إبّان جائحة كورونا، مع توجيه البنوك لتأجيل أقساط القروض وبدون فوائد للشهور الثلاث المقبلة، على الأقل، وبما يضمن استقرار السوق ومواصلة النمو الاقتصادي.
من جانب آخر وبعيداً عن التحرك الحكومي، والذي يُعتبر أساسياً وضرورياً؛ فإن على رجال الأعمال ومؤسساتنا الوطنية الكبرى دوراً كبيراً في هذه الأزمة، ربما من خلال غرفة تجارة وصناعة البحرين، لطرح مبادرات وبرامج تساهم في التخفيف على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ودعم روّاد الأعمال الشباب، سواء عبر تأجيل أقساط القروض أن تقديم مساعدات وقروض مالية ميسّرة، مما يُسهم في ضمان استمرار الأعمال وتقليل الأضرار إلى أدنى حد.
في مثل هذه الظروف نحن أمام تحدٍّ أخلاقي في المقام الأول؛ فالسوق ليس بيعاً وشراء فقط، بل حياة ومستقبل واستقرار لآلاف الأسر، والأزمات تمنحنا فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، ووضع المواطن في قلب المعادلة الاقتصادية.
اليوم، نحن أمام اختبار حقيقي لمدى القدرة على التحرك بروح المسؤولية وبقرارات سريعة، فإما أن نحتوي هذه التداعيات قبل أن تتسع، أو نتركها تتراكم حتى تتحول إلى أزمة أعمق، والرهان الأساسي هو قدرتنا على حماية السوق باعتباره العمود الفقري للاقتصاد.