في لحظات الأزمات الكبرى تُقاس الجغرافيا بثقلها في معادلة القوة، هكذا تبدو مملكة البحرين اليوم في قلب المشهد الخليجي؛ جزيرة صغيرة في المساحة، لكنها كبيرة في المعنى الاستراتيجي، حتى أصبحت في حسابات الصراع الإقليمي نقطة حساسة قد تتحول -في حال اتساع المواجهة مع إيران- إلى واحدة من أكثر النقاط استهدافاً وخطورة في الخليج العربي، فالسياسة حين تتوتر، تتحول الجغرافيا إلى لغة أخرى، لغة تتحدث بالأمن والاقتصاد والتحالفات العسكرية، وتصبح المواقع الصغيرة مفاتيح لمعادلات كبرى.

تقع البحرين في قلب الخليج العربي، على مقربة من السواحل الإيرانية، وفي موقع يتوسط شبكة الممرات البحرية الأكثر حساسية في العالم، هذا الموقع وحده يمنحها أهمية مضاعفة، لكنه يكتسب بعداً أكبر بوجود الأسطول الخامس الأمريكي وهو الأسطول المسؤول عن مراقبة مساحة بحرية تمتد عبر أكثر من خمسة ملايين كيلومتر مربع تشمل الخليج العربي والبحر الأحمر وبحر العرب وأجزاء واسعة من المحيط الهندي، ولهذا فإن أي تصعيد إقليمي يجعل من البحرين رمزاً استراتيجياً للتحالف العسكري في المنطقة.

ومع موجة التصعيد الأخيرة في الخليج العربي، أطلقت إيران مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه عدة مواقع في المنطقة، وتشير المصادر الرسمية إلى أن الدفاعات الجوية الخليجية تمكّنت من اعتراض تلك الصواريخ والمسيّرات، وتشير التقديرات إلى تضرّر عدد من المباني والمرافق المدنية، إلى جانب تسجيل وفيات وإصابات في دول مجلس التعاون الخليجي، في وقت سارعت فيه الجهات المعنية في دول الخليج العربي إلى احتواء الموقف وإعادة الخدمات إلى طبيعتها.

غير أن أهمية البحرين في هذه المعادلة لا ترتبط بموقعها في شبكة الاقتصاد الخليجي، فالمملكة تقع ضمن منطقة حيوية تمر عبرها نسبة كبيرة من حركة الطاقة والتجارة العالمية، ويكفي أن نعلم أن الخليج العربي ينتج ما يقارب ثلث النفط المتداول عالمياً حتى ندرك أن أي اضطراب أمني في هذه المنطقة ينعكس فوراً على الأسواق الدولية، ولهذا فإن استقرار البحرين لا يمثل شأناً محلياً فحسب، بل جزءاً من معادلة أمن الطاقة العالمي.

في المقابل، لم تقف دول مجلس التعاون الخليجي مكتوفة الأيدي أمام هذا التصعيد، فمنذ اندلاع الحرب، كان هناك مستوى غير مسبوق من التنسيق العسكري والأمني، حيث جرى تفعيل منظومات الدفاع الجوي المشتركة وتبادل المعلومات الاستخباراتية بشكل مكثف، إلى جانب رفع مستويات الجاهزية، في حين تحركت الدبلوماسية الخليجية في مجلس الأمن والمحافل الدولية لتثبيت حق دول المنطقة في حماية سيادتها وأمنها.

وهكذا تتشكل صورة المشهد: إيران تحاول توسيع دائرة الضغط الاستراتيجي، بينما تعمل دول الخليج العربي على بناء مظلة ردع دفاعية، وبين هذين المسارين تقف البحرين، كنقطة ارتكاز في معادلة الأمن الإقليمي، وربما تكمن المفارقة في أن هذه الجزيرة التي تبدو هادئة في ظاهرها، تحمل في عمقها معنى أكبر بكثير من حدودها الجغرافية؛ فهي في زمن التحولات الكبرى رمز لمعادلة التوازن التي يسعى الجميع إلى حمايتها حتى لا يتحول الخليج العربي كله إلى ساحة مفتوحة للفوضى.

* إعلامية وباحثة أكاديمية