د. توفيق السباعي

لم تنتصر دول الخليج العربي في حربٍ سعت إليها، بل في حربٍ اجتهدت مخلصةً في تجنّبها، ثم فُرضت عليها، فواجهتها من موقع الدفاع المشروع عن السيادة والكرامة والمنجزات. ولذلك، فإن ما تحقق لا يُقرأ باعتباره مجرد عبور ناجح من لحظة الخطر، بل بوصفه شاهداً على رسوخ الدولة الخليجية، وصلابة قياداتها، وتماسك شعوبها، وكفاءة مؤسساتها في إدارة أصعب اللحظات بأعلى درجات الانضباط والثبات.

غير أن أهمية هذه المرحلة لا تقف عند حدود ما أُنجز في لحظة المواجهة، بل تمتد إلى كيفية إدارة ما بعدها. فالمعطيات الأحدث المرتبطة بالهدنة المعلنة بين واشنطن والنظام الإيراني تؤكد أن ما أُعلن هو وقف مؤقت ومشروط لمدة أسبوعين، وسط مؤشرات على أن التوتر لم ينحسر نهائيًا، وأن المشهد لايزال مفتوحاً على عدة احتمالات. وهذا يفسر النهج الخليجي المتزن القائم على الجمع بين الترحيب بكل ما يخفف التصعيد، وبين الإبقاء على أعلى درجات اليقظة السياسية والأمنية، إدراكاً لطبيعة هذا النظام الإجرامي وتقلب سلوكه وعدم احترامه لقواعد الاستقرار.

كما أن دول مجلس التعاون أبدت، طوال هذه الأزمة، قدراً كبيراً من ضبط النفس والصبر والمسؤولية، وهو ما عبّرت عنه بوضوح عبر مواقفها الرسمية في المحافل الدولية. غير أن هذا الصبر كان، وسيظل، صبر الواثق القادر الحريص على السلم، لا صبر المتردد أو المفرّط في حقه. ومن هنا، فإن المرحلة القادمة تبدو بطبيعتها مرحلة تعميق للتنسيق الخليجي، وتكثيف للتشاور، وتطوير للرؤى المشتركة، بما يعزز حماية المصالح العليا لدول المجلس، ويصون أمنها الجماعي، ويؤكد أن تماسك الخليج هو خيار استراتيجي أثبتت الأحداث ضرورته وقيمته.

ولعل من أبرز ما تفرضه هذه المرحلة أن يتحول التماسك الخليجي إلى برنامج مطالب موحد وواضح يُخاطَب به العالم بلسان واحد ومصلحة واحدة: ضمان حرية الملاحة بلا ابتزاز، وتقييد أدوات التهديد البحري والصاروخي، وترسيخ ترتيبات ردع تمنع تكرار المساس بالمدنيين والمنشآت الحيوية، إلى جانب مسار منظم للمساءلة والتعويض وحصر الأضرار الاقتصادية والخدمية. أما في الشق الدفاعي، فقد أثبتت دول الخليج أنها تملك قوة حقيقية وجاهزية فاعلة، عكستها بسالة قواتها الجوية وكفاءة منظوماتها في التصدي للتهديدات. غير أن ما تفرضه المرحلة هو البناء على هذا الرصيد المشرّف بمزيد من التنسيق والتكامل ورفع الجاهزية المشتركة.

وفي هذا السياق، يبرز الدور البحريني بوصفه جزءاً أصيلاً من هذا الجهد الخليجي المتكامل. فالبحرين، التي تتولى رئاسة مجلس الأمن حاليًا، لم تكتفِ بتسجيل موقف سياسي، بل قادت في 7 أبريل المنصرم مشروع قرار بشأن حرية الملاحة في مضيق هرمز باسم عدد من الدول الخليجية والأردن. ورغم أن المشروع لم يُعتمد بعد استخدام روسيا والصين حق النقض، فإن قيمته السياسية والقانونية بقيت كبيرة؛ لأنه أكد أن دول الخليج قادرة على نقل شواغلها الأمنية والاقتصادية إلى أعلى المنابر الدولية بلغة واضحة ومسؤولة، كما رسخ حضورها بوصفها طرفاً مبادراً في حماية الاستقرار الإقليمي وحرية الملاحة الدولية. وإلى جانب ذلك، كان مجلس الأمن قد اعتمد في 11 مارس القرار 2817، الذي أدان الهجمات الإيرانية على البحرين ودول الخليج والأردن، وهو ما منح السردية الخليجية سنداً أممياً مهماً يمكن البناء عليه في المراحل التالية.

إن الخليج اليوم يدخل مرحلة جديدة وهو أكثر خبرةً، وأشد تماسكاً، وأعمق إدراكاً لطبيعة التحديات المحيطة به. وهذه لحظة تؤكد أهمية المزيد من التنسيق بين دول مجلس التعاون، وتوحيد الأولويات، والبناء على متانة البيت الخليجي، مع توسيع البدائل الاستراتيجية في الشراكات والمنافذ ومسارات الإمداد، وتعزيز الأمن الذاتي والغذائي، بما يرسخ الاستقرار ويعزز الجاهزية للمستقبل.