توافق وطني وردود أفعال متوافقة مع القرار، وفرح شعبي عارم أعاد للأذهان ذلك التوافق الجماهيري على ميثاق العمل الوطني قبل خمسة وعشرين عاماً. واليوم تتكرر تلك الأفراح بالقرار الحاسم بإسقاط الجنسية عن كل من أبدى التعاطف أو التمجيد للأعمال العدائية الإيرانية الآثمة. هذا القرار الذي يأتي كترجمة عملية للمفهوم العميق للوطنية، قرارٌ يقوم على حماية الوطن وصون استقراره، وامتداد طبيعي لنهج واضح لا يقبل المساومة، ولا يترك مجالاً للازدواجية في المواقف؛ فالوطن ليس ساحةً مفتوحة للعبث، ولا منصةً لمن يتقن ارتداء الأقنعة وتبديل الولاءات وفق المصالح.

إن الوطنية ليست كلمةً عابرة تُقال في المجالس، ولا عبارةً محفوظة نرددها في المنازل أو داخل الفصول الدراسية، ولا حتى خطاباً منمقاً يُلقى عبر المنصات الإعلامية، الوطنية في جوهرها الحقيقي، هي مبدأ راسخ، ونهج حياة لا يتبدل بتبدل الظروف، ولا يخضع لمزاج اللحظة أو حسابات المصالح الضيقة؛ هي ذلك الإرث العميق الذي ورثناه عن آبائنا وأجدادنا، وساروا به بثبات، وقدّموا من أجله التضحيات، حتى غدا أمانةً في أعناقنا، نحملها بصدق، ونسلمها للأجيال القادمة كما استلمناها نقية صافية، كصفاء نفوس أهل البحرين العظماء.

إن الانتماء الوطني يتجلى معناه الحقيقي بالعمل والجد والاجتهاد والمثابرة مهما كانت الظروف؛ فالوطنية لا تقاس بارتفاع الصوت في لحظات الحماس، ولا بعدد الشعارات التي تُرفع، بل تقاس بثبات الموقف عندما تختبره الأزمات، وبوضوح الانحياز حين تتقاطع الطرق. وعندما يتعرض الوطن للغدر والخيانة أو الاعتداء، ويتعرض أمن أهله للخطر، هنا فقط يظهر المعدن الحقيقي للإنسان، ويُعرف من يقف مع وطنه بصدق، ومن يختبئ خلف العبارات الفضفاضة التي لا تُسمن ولا تُغني من ولاء.

ومملكة البحرين، وهي تمضي بثقة نحو مستقبلها، ترسم لوحة جميلة ملامحها النهضة التنموية المتكاملة، لن ولم تسمح بأي سلوك يهدد أمنها أو ينال من سيادتها، ولا حتى أهلها يقبلون بذلك؛ فالدول لا تُبنى فقط بالمشاريع والإنجازات، بل تُبنى أيضاً بتكاتف شعبها المجتمعي، وبحماية مكتسباتها، وبالوقوف بحزم أمام كل من يحاول العبث بثوابتها، وأمنها وأمانها. ومن هنا، فإن الحزم ليس خياراً، بل ضرورة يتوافق عليها الجميع وتفرضها طبيعة المرحلة، وتؤكدها مسؤولية الحفاظ على استقرار الوطن.

إن الرسالة الأبرز في هذا القرار، والتي لامست قلوب ووجدان ومشاعر الجميع، هي أن الولاء للوطن ليس مساحة رمادية، ولا منطقة قابلة لتعدد الآراء، إنه خط أحمر واضح لا يقبل التجاوز أو التلاعب؛ فمن يختار أن يقف خلف هذا الخط أو يناصر أعمالاً عدائية وإجرامية وإرهابية تستهدف أمن البلاد وشعبها، فإنه يضع نفسه خارج دائرة الانتماء الوطني، ويكون مرفوضاً من الشعب قبل الوطن، ومن الأهل قبل المجتمع.

الوطن ليس أرضاً نسكنها ونقدّم الولاء لغيره، الوطن هويةٌ راسخة، وانتماءٌ لا يتجزأ، وولاءٌ مطلق لأرضه وسمائه وقيادته، ومسؤوليةٌ تُحمل في الأعماق، وبيعة أبدية. ومن لا يدرك هذه الحقيقة، فليُعِد قراءة معنى الوطن.. قبل أن يُعيد الوطن تعريفه من جديد.

حفظ الله البحرين قيادةً وشعباً، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، وجعلها دائماً وأبداً واحةً للأمان، وموطناً للفخر والانتماء.