عند متابعة الأخبار المتداولة يومياً يكاد القارئ أن يجزم بانتهاء الحرب، وفي الوقت ذاته يشعر بأنها عائدة لا محالة. فتصريحات المسؤولين متناقضة فيما بينهم، وحتى في أنفسهم. فيوماً نسمع أن الحرب انتهت، وبعد ساعات تأكيدات بعودتها، والمعضلة في ذلك أننا لا نملك ترف الاختيار واتخاذ القرار أو حتى المشاركة فيه.

ولكن كل ذلك يضعنا أمام مسؤولية حماية الوطن من تداعيات أي قرار دولي خاطئ قد يؤثر على حياة البشر والاقتصادات، وهو ما رأيناه خلال الفترة الماضية، وتعاملت معه الحكومة بحكمة وإدارة ذكية عكست جاهزية البحرين وسرعتها في مواجهة التحديات، من خلال مرونة مؤسساتها وقدرتها على اتخاذ قرارات سريعة حافظت على استقرار الأسواق واستمرارية الأعمال.

كما أبرزت هذه المرحلة أهمية ما تمتلكه المملكة من أدوات رصد ومتابعة ساهمت كمنظومة إنذار مبكر للاقتصاد الوطني في احتواء التداعيات وتقليل أثر المتغيرات العالمية، مع ضرورة الاستمرار في تطوير هذا النهج بصورة أكثر تكاملاً واستباقية خلال المرحلة المقبلة.

وقد أثبتت البحرين خلال المرحلة الماضية قدرتها على تفعيل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم والشراكات الاقتصادية بكفاءة واحترافية عالية، وبنهج استباقي ساهم في تعزيز مرونة الأسواق واستمرارية الأعمال وتقليل أثر المتغيرات العالمية.

إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب البناء على هذه الجاهزية عبر عدة خطوات هامة من وجهة نظري، هذه الخطوات أو المبادرات، تحمل في طياتها خطط طوارئ اقتصادية لمثل هذه الحالات.

فمن وجهة نظري، أرى ضرورة إعداد دليل استرشادي وطني بالتعاون مع غرفة تجارة وصناعة البحرين والجهات المعنية، يتم توجيهه للشركات الصغيرة والمتوسطة، التي قد لا تمتلك خططاً لإدارة المخاطر والأزمات كما هو الحال في الشركات الكبرى.

هذا الدليل يتضمّن خططاً عملية وآليات واضحة للتعامل مع الطوارئ، والحفاظ على السيولة، وتنويع مصادر التوريد والتصدير والمسارات البديلة، بما يعزّز قدرتها على الاستمرار والاستدامة في مختلف الظروف، وكل ما تحتاجه المؤسسة لاستمرارية عملها، أو حتى تسديد التزاماتها المالية كأدنى حد.

وأرى أيضاً ضرورة وجود غرفة عمليات مكونة من عدة خلايا تضمّ صُنّاع القرار وخبراء وأصحاب العلاقة في كل قطاع، ولنبدأ بخلية الاستقرار المالي والنقدي والتي يمكن أن تُشكَّل من خبراء بالمصرف المركزي، ووزارة المالية، ومحللي أسواق عالمية لدراسة مخاطر السندات السيادية العالمية، وحجم السيولة بين البنوك.

ثم تأتي بعدها مباشرة خلية سلاسل الإمداد والأمن الغذائي والطاقة، وتضم خبراء في القطاع اللوجستي، ومعهم خبراء في الأمن البحري وحركة الشحن، يساندهم محللون لبيانات أسعار القمح عالمياً، واحتياطيات الغذاء المحلية، وأنواع السلع المطلوبة للسوق، ولا غنى عن أصحاب الشأن من التجار والمسؤولين في غرفة صناعة وتجارة البحرين.

ومن قبل هؤلاء تكون هناك خلية جيوسياسة تُعنى بالأمن السيبراني، وتضمّ محللين أمنيين، ومختصي أمن معلومات لقراءة تهديدات الملاحة، والهجمات السيبرانية التي قد تستهدف البنية التحتية الحيوية.

القضية الأهم في كل ذلك هو وفرة المعلومات المتخصصة في كل شأن وقدرة مسؤولي "غرفة العمليات" على تحليلها وربط كل قطاع بما يخصه من تلك المعلومات وإنشاء خوارزميات تستطيع كشف العلاقة المباشرة وغير المباشرة بين كل المؤشرات الحيوية، وتقديم موجز وتحليل مختصر يومي يُرفع إلى المسؤول الأعلى، بالإضافة إلى تقرير ربع سنوي يقرأ ما وراء الأفق، ويحلّل معلومات قد لا تكون مسبّبة لأزمة فورية لكنها تحمل مخاطر على المدى المتوسط والبعيد.

ويجب أن يكون لدينا "بنك سيناريوهات" يكون جاهزاً لتفعيل مجموعة من الإجراءات الحاصلة على موافقة مسبقة، وعلى أن يتم تحديث هذه السيناريوهات باستمرار تبعاً للمؤشرات المستحدثة وما يطرأ من تغيرات غير متوقعة في العالم.

هذه المبادرات ليست ترفاً فكرياً أو مقالاً عابراً، بل هي ضرورة لاقتصاد بحجم البحرين قد يواجه تحديات لا يمكنه منعها، ولكن يمكنه وبفاعلية إدارة تداعياتها، والاستثمار بأقل تكلفة وبأعلى عائد في الموارد المتاحة والإنسان، لأننا أحوج اليوم للعقول التي تصنع مستقبلاََ أكثر استدامة.