عاشت أوروبا قروناً طويلة تحت وطأة سلطة كنسية تجاوزت المجال الروحي إلى الهيمنة على السياسة والمجتمع والعقل، حتى أصبحت القارة نفسها واحدة من أكبر ضحايا هذا التداخل بين المقدس وشؤون الدولة. ولم تبدأ أوروبا بالخروج من أزماتها الكبرى إلا حين أعادت ترتيب العلاقة بين الدولة والكنيسة، وفصلت بين الإيمان باعتباره شأناً فردياً وأخلاقياً، وبين السلطة باعتبارها مؤسسة مدنية تحكمها المصالح العامة والقانون. هذه التجربة التاريخية لا تخص الغرب وحده، بل تقدم درساً بالغ الأهمية لمنطقتنا التي ما زالت تدفع أثماناً باهظة بسبب استبداد السرديات، لا سيما تلك التي تتغذى على ما يمكن تسميته بـ"المظلوميات الكاذبة".

لقد كنا، وما زلنا، من أكبر ضحايا هذه السرديات التي جرى ترويجها على مدى عقود مديدة، حتى تأصلت هوية وجدانية. لا لأنها تستند إلى حقائق تاريخية صلبة، بل لأنها استغلت قيم التسامح واللين والمهادنة لدى المجتمعات والدول، فتمددت تحت غطاء المظلومية حتى تحولت إلى أدوات نفوذ وسيطرة. والأخطر من ذلك أن هذه الفرية التاريخية لم تبقَ مجرد خطاب عاطفي أو تعبوي، بل جرى تحويلها إلى مشروع سياسي وأمني وثقافي، يعيد تشكيل الوعي العام، ويُصنع الخصومات، ويبرر التدخلات، ويمنح جماعات وأطرافاً حقاً مزعوماً في تجاوز ما تعنيه الدولة ومؤسساتها.

فمنذ عام 1979، دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة فيما اصطلح على تسميته بـ"الصحوة"، وهي تسمية تبدو في ظاهرها إيجابية، لكنها في الواقع ارتبطت بمسار بالغ القسوة على المجتمعات العربية والإسلامية. فخلال أكثر من أربعين عاماً، لم تنتج هذه المرحلة نهضة عقلية أو علمية أو سياسية بقدر ما أنتجت انقسامات حادة، وتطييفاً للمجتمعات، وتضخماً في دور الأيديولوجيات الدينية العابرة للحدود، حتى باتت الدولة الوطنية نفسها محل اشتباه أو استهداف. لقد أعادت تلك المرحلة رسم واقع الشرق الأوسط وفق منطق تعبوي يقوم على الاحتشاد المذهبي، وتقديس الشعارات، وتهميش العقل، واعتبار العنف أداة مشروعة ما دام مكسواً برداء التكليفات السماوية.

واليوم نعيش ذروة هذا التوحش السردي، حين لا تكتفي بعض المشاريع بمصادرة العقول أو تزوير التاريخ، بل تنتقل إلى سلب الدول نفسها باسم الرسالات والواجبات المقدسة. وهنا تصبح السردية أخطر من السلاح، لأنها تمنح العنف شرعية متخيلة، وتحول العدوان إلى واجب، وتقلب التوسع إلى خلاص، وتصور الاعتداء على سيادة الدول وكأنه مهمة أخلاقية أو دينية. وعندما تبلغ السرديات هذه المرحلة، فإن الصمت عليها لم يعد ضرباً من الحكمة، بل شكلاً من أشكال التواطؤ غير المقصود مع الفوضى.

إن مهادنة أمثال هذه المشاريع ليست سياسة، لأن السياسة في جوهرها تقوم على حماية الدولة، وصون السيادة، ووضوح المقاصد وإدارة المصالح، لا على مجاملة خطاب يلتهم الجميع متى سنحت له الفرصة. فالدول لا تُقاس بقدرتها على تأجيل المواجهة فقط، بل بصلابة إرادتها، وبمقدار وضوحها في التمييز بين التسامح المشروع، والتهاون المفضي إلى الدمار، والأمثلة كثيرة. وحين تواجه الدول سرديات متوحشة تسعى إلى اختطاف الجغرافيا والتاريخ والقرار، فإن الحزم لا يكون خياراً متطرفاً، بل ضرورة وجودية. فالمعركة الحقيقية في الشرق اليوم ليست فقط على الأرض، بل على المعنى أيضاً. والسؤال؛ من يملك رواية المستقبل، الدولة أم السردية؟