في ظل ما كشفته وزارة الداخلية مؤخراً من تنظيمات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وفكر "ولاية الفقيه"، وما تضمّنته التحقيقات من محاولات للتغلغل داخل مفاصل المجتمع البحريني، لم يعد من الممكن التعامل مع قضايا الوعي والهوية الوطنية باعتبارها ملفات هامشية أو مجرد نقاشات فكرية عابرة.
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: معارك الدول الحديثة لم تعد تبدأ بالسلاح فقط، بل أصبحت تمتد إلى الوعي والهوية والرموز التي تتسلل تدريجياً إلى المجتمع تحت عناوين تبدو طبيعية في ظاهرها، بينما تحمل في عمقها رسائل وأبعاداً تتجاوز النشاط التجاري أو الثقافي المعتاد.
ومن هنا، يبرز تساؤل مشروع لا يمكن تجاهله:
هل تحولت بعض الأسماء والتسميات التجارية ذات الدلالات المرتبطة بإيران أو بفكر "ولاية الفقيه" إلى جزء من حالة تطبيع رمزي وثقافي تدريجي داخل المجتمع؟
القضية هنا لا تتعلق بمحاربة التجارة أو رفض الانفتاح الاقتصادي والثقافي، فالبحرين دولة منفتحة وتحترم التنوع، لكن الانفتاح لا يمكن أن يتحول إلى مساحة تُستغل لتكريس رموز أو مرجعيات ذات أبعاد سياسية وأيديولوجية مرتبطة بالخارج، خصوصاً في ظل ما كشفته الدولة من محاولات اختراق تستهدف المجتمع والهوية والانتماء الوطني.
فالدول الواعية لا تنتظر حتى يتحول الفكر إلى تنظيم، ولا حتى تصبح الرموز أدوات نفوذ كاملة التأثير، لأن أخطر مراحل الاختراق تبدأ عندما تتحول بعض الأسماء والشعارات إلى مشهد مألوف داخل المجتمع، بما يخلق حالة اعتياد نفسي وثقافي تجاه مشاريع أو أفكار لا تنتمي للهوية الوطنية أو العربية أو حتى للطابع التجاري الطبيعي.
والمشكلة لا تبدأ حين يتحول الفكر إلى تنظيم فقط.. بل حين يتحول الرمز إلى حالة اعتياد داخل المجتمع.
فالدول لا تُخترق دائماً عبر الحدود، بل حين يصبح الرمز المرتبط بالخارج أكثر حضوراً من الهوية الوطنية داخل المشهد اليومي للمجتمع. وحين تتحول بعض الأسماء والرموز إلى حالة اعتياد، يبدأ الاختراق الحقيقي للعقول قبل المؤسسات.
ومن هنا، فإن مسؤولية حماية الجبهة الداخلية لا تقع على الأجهزة الأمنية وحدها، بل تشمل كل مؤسسة وجهة تنظيمية معنية بحماية الهوية الوطنية.
إن المرحلة الحالية تفرض مراجعة دقيقة وحازمة لبعض الأسماء والتسميات التجارية ذات الدلالات السياسية أو الأيديولوجية المرتبطة بالخارج، خصوصاً تلك التي لا تحمل أي ارتباط طبيعي بالهوية الوطنية أو الاعتبارات التجارية المتعارف عليها، بقدر ما تبدو وكأنها تكريس تدريجي لرموز ورمزيات ذات أبعاد فكرية وسياسية.
فكثير من دول العالم تفرض ضوابط واضحة على الأسماء والرموز المرتبطة بالأيديولوجيات المتطرفة أو المشاريع العابرة للحدود، إدراكاً منها أن الأمن الثقافي والهوية الوطنية جزء لا يتجزأ من أمن الدولة واستقرارها.
حجر الزاوية: حماية البحرين لا تقتصر على مواجهة التنظيمات والخلايا فقط، بل تمتد إلى حماية الوعي والهوية الوطنية من أي محاولات اختراق ناعم أو تدريجي. فالدول لا تُستهدف بالسلاح وحده، بل أيضاً بمحاولات بناء نفوذ فكري ورمزي داخل المجتمع حتى يصبح أمراً اعتيادياً. ولهذا، فإن اليقظة المؤسسية، وتعزيز الهوية الوطنية، والانتباه لأي رموز أو مساحات قد تُستغل لبناء ولاءات تتجاوز الوطن، ستبقى حجر الزاوية في حماية البحرين واستقرارها ووحدة مجتمعها.