أخطر ما يمكن أن تتعرّض له الدول إلى جانب التهديدات العسكرية المباشرة، هو ما نسميه بـ"الهجمات الصامتة" التي تستهدف العقول والنفوس.
الإشاعات، الأخبار المفبركة، حملات التضليل، كلها أدوات حديثة تسعى إلى زعزعة الثقة، وضرب التماسك الداخلي، وإضعاف الجبهة الوطنية من الداخل.
هنا تحديداً، يظهر دور المواطن، إما أن يكون حصناً منيعاً، أو ثغرة ينفذ منها العدو، ثغرة على غفلة ودون دراية ووعي، أو "ثغرة مقصودة" حينما يتحول إلى متواطئ ضد بلده.
المواطن الواعي لا يجب أن يكون متلقياً سلبياً، بل واجبه التحول إلى رقيب على ما يُنشر، وناقلٍ للحقيقة، ورافضٍ لكل ما يُسيء لوطنه أو يشوّه صورته. المواطن المخلص الواعي، هو الذي يدرك أن الكلمة مسؤولية، وأن إعادة نشر خبر كاذب قد تعادل في أثرها إطلاق رصاصة في خاصرة الوطن. لذلك، فإن الامتناع عن تداول الإشاعة موقف وطني بامتياز.
في المقابل، أخطر ما يمكن أن يواجهه المجتمع هو حالة "المنطقة الرمادية"، حيث يتردد البعض بين الحق والباطل، أو يحاول تمييع المواقف تحت شعارات زائفة من الحياد أو الحرية المطلقة.
نكررها للمرة الألف، الوطن لا يُحمى بالمواقف الضبابية، ولا تُصان وحدته بالصمت أمام الخطأ. فإما أن تكون مع وطنك، ولا شيء آخر.
التجارب أثبتت أن الدول لا تسقط فجأة، بل تبدأ بالاهتزاز حين تتفكك جبهتها الداخلية، وحين يفقد المواطن ثباته الوطني، أو يتخلى عن مسؤوليته في الدفاع عن أرضه.
لذلك نقول بأن الحفاظ على الوحدة الوطنية سلوك يومي يُمارس، يبدأ من احترام الحقيقة والثوابت، وينتهي بالاصطفاف الصادق خلف الوطن وقيادته.
هنا تبرز قيمة الثقة؛ الثقة في الدولة، في مؤسساتها، وفي قدرتها على تجاوز الأزمات. هذه الثقة مبنية على تجارب أثبتت أن الأوطان التي يقف أبناؤها صفاً واحداً، قادرة على تجاوز أصعب التحديات. والبحرين، كما أثبتت مراراً، كانت دائماً قوية بشعبها المخلص، وتماسك مجتمعها ووعيه.
المواطن الذي يرفض الكذب، ويواجه التضليل، ويتمسّك بالحقيقة، هو جندي مخلص، وإن لم يحمل سلاحاً. شجاعته في الموقف الصادق، وفي الكلمة المسؤولة، وفي الثبات حين تتكاثر التهديدات.
لابد وأن تعرف بيقين تام "أين تقف"؟! لأن الوطنية لا تعترف بـ"المساحات الرمادية"، والوطن ولا يُحمى إلا بمن اختار أن يكون في صفه، بوعي، وشجاعة، وبلا تردد.