في اللحظات التي تُختبر فيها الأوطان، لا تكون الكلمات ترفاً بل موقفاً، ولا يكون الصمت حياداً بل انحيازاً.

ومن هذا المنطلق، يأتي حديث جلالة الملك المعظم ليُرسّخ حقيقة لا تقبل التأويل: أن البحرين فوق الجميع، وأن أمنها واستقرارها خطٌّ أحمر لا يُمسّ، ولا يُساوَم عليه، لا قولاً ولا فعلاً.

ونحن هنا نعلن تأييدنا الكامل لكل ما ورد في حديث جلالته، لا بوصفه موقفاً عاطفياً عابراً، بل قناعة راسخة تنطلق من فهم عميق لطبيعة المرحلة التي يمر بها وطننا، حيث تتكاثف التحديات وتتعاظم الحاجة إلى وحدة الصف الداخلي.

ففي مثل هذه الظروف، لا يكون الاختلاف ترفاً مشروعاً إذا مسّ جوهر الأمن الوطني، ولا يكون التباين مقبولاً إذا أفضى إلى تصدّع الصف الداخلي. ومن غير الجائز - قانونياً أو وطنياً- السماح لأي صوت يشق الصف أو يضعف الجبهة الداخلية، أياً كان مصدره، وبالأخص إذا صدر من جهة يُفترض أنها تمثل إرادة الشعب وتحمل أمانة صوته، كالسّلطة التشريعية.

فالأصل في السلطة التشريعية أنها مرآة الإرادة الشعبية وصوتها، وتتعاظم مسؤوليتها حين تُختبر الدولة، إذ يُفترض بها أن تكون صمّام أمانٍ للوحدة الوطنية، لا ساحةً للاختلاف، أو الاصطفافات المتناقضة.

إنها الحارس الأمين لوحدة الوطن، وسندٌ للقيادة في صون استقراره، لذا فإن كل موقف يصدر عنها يجب أن يُوزن بميزان المصلحة العليا للوطن، لا باعتبارات آنية أو حسابات ضيقة، لأن الأوطان لا تُدار بمنطق التجزئة، بل بمنطق التماسك والتكامل.

أما من الزاوية القانونية، فإن ما أكّد عليه جلالته يجد جذوره في صميم مبدأ السيادة، الذي يُعدّ حجر الزاوية في البناء الدستوري للدولة. فالقرارات السيادية، لاسيما في مجالات الأمن الوطني والعلاقات الخارجية، تندرج ضمن الاختصاص الأصيل للدولة، وتُمارَس في إطار سلطة تقديرية عليا تهدف إلى حماية كيانها وضمان استمراريتها.

وهذه القرارات، بطبيعتها، لا تحتمل المزايدة ولا تُخضع لمعايير التوافق الظرفي، ولا تخضع لمعيار الرضا أو الاختلاف، بل تُقاس بمدى اتصالها بالمصلحة العليا للدولة وبما يحفظ كيانها. كما أن الدستور والقوانين ذات الصلة تضع حدوداً واضحة لأي فعل أو موقف من شأنه المساس بوحدة الدولة أو التعاون مع جهات معادية، وتُجرّم كل سلوك ينطوي على خيانة أو إخلال بالولاء الوطني.

إن المنظومة القانونية، في جوهرها، لا تقف موقف الحياد إزاء أي سلوك من شأنه الإضرار بالوحدة الوطنية أو التعاون مع أطراف معادية، بل تُقرّر-بوضوح لا لبس فيه- مسؤولية قانونية عن كل فعل ينال من سيادة الدولة أو يُخلّ بواجب الولاء والانتماء.

فالولاء للوطن ليس مجرد شعور وجداني، بل التزاماً قانونياً وأخلاقياً، تترتب عليه تبعات ومسؤوليات لا يجوز التنصل منها.

وعليه، فإن الاصطفاف خلف القيادة في مثل هذه المرحلة تحديداً ليس مجرّد موقف أو خيار سياسي، بقدر كونه واجباً تمليه مقتضيات القانون وروح المسؤولية الوطنية. فالوطن لا يُحمى بالحياد، ولا يصان بالتردد، وإنما بوحدة الكلمة، وصدق الانتماء، وصلابة الموقف، وبالحسم الذي يحفظ هيبته ويصون أمنه.

إننا اليوم أمام لحظة تجديد عهد، نؤكد فيها -بكل وضوح-سمعاً وطاعة، ولاءً وانتماءً، والتفافاً صادقاً حول قيادتنا الحكيمة، مؤمنين بأن قوة البحرين في وحدتها، وأن مستقبلها يُصنع بسواعد أبنائها المخلصين، لا بأصوات النشاز.

حفظ الله البحرين، ملكاً وقيادةً وشعباً، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، وجعل وحدتها درعها الحصين في وجه كل تحدٍّ.