في اللحظات المفصلية التي تتكالب فيها التحديات على الأوطان، وتُختبر فيها معادن الرجال، تظهر الحقائق ساطعة وتسقط الأقنعة. لقد جاء الخطاب الأخير لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، ليمثل خارطة طريق حاسمة في التعامل مع من باعوا ضمائرهم للعدو. هذا الخطاب التاريخي كشف زيف من استأمنهم الشعب لتمثيله، فطعنوا الوطن في خاصرته، ورسخ مبدأً سيادياً لا يقبل التأويل، الجنسية عهد وميثاق، ومن نقض العهد بخيانة وطنه أسقط حقه بيده، فلا مكان بيننا لمن يوالي أعداءنا.
ولعل من يقرأ المشهد بعمق، يدرك الدلالة الاستثنائية لـ«غضبة الحليم». فجلالة الملك المعظم، الذي عُرف طوال مسيرته المظفرة بالحلم وسعة الصدر والأبوة الحانية لاحتواء الجميع، استخدم في حديثه مفردة «الغضب» في لغة صارمة تعكس غضباً مشروعاً يترجم غضب شعب بأكمله. إن هذه اللهجة الحازمة هي إعلان صريح ومباشر بالحزم عندما يتعلق الأمر بسيادة البحرين وسلامة شعبها، فالوطن أمانة في الأعناق ولا مساومة على ذرة من ترابه.
إن الولاء للبحرين ليس مجرد شعار يُردد، بل هو فريضة مقدسة تجعل كيان الوطن أسمى من كل الاعتبارات. وفي أوقات الصراعات الوجودية والاعتداءات الآثمة تتلاشى المناطق الرمادية بالكامل، فلا حياد في قضايا الأمن القومي. ومن هنا، يبرز السقوط المدوي والمحدودية الفكرية لبعض النواب الذين حاولوا تبرير مواقفهم المخزية باستدعاء نصوص دينية «كحديث قطع يد السارق»، ليقزموا «الخيانة العظمى» إلى مجرد جناية فردية.
ولو كلف هؤلاء أنفسهم عناء قراءة التاريخ الإسلامي وسيرة المصطفى بتمعن، لوجدوا الرد الشافي في حادثة غدر قبيلة «بني قريظة» إبان غزوة الخندق. ففي تلك اللحظات العصيبة، حيث كان المسلمون محاصرين من الخارج، ويواجهون تهديداً وجودياً لاجتثاثهم، نقضت بني قريظة العهد وتحالفت مع الأحزاب لتوجيه طعنة غادرة من الداخل. وحينها، لم يُعامل هذا الغدر كقضية «فردية» أو جناية مدنية، بل صدر الحكم العسكري الصارم بقتل المقاتلة وسبي الذرية، وهو حكم استثنائي أقرّه النبي؛ لأن الكيان الذي يتحول من «جار متعاهد» إلى «خنجر مسموم» في ظهر الأمة أثناء صراع وجودي، يخضع لأحكام الأمن القومي وقوانين حماية الدولة، وليس لقواعد القضاء المدني الفردي. إن ما نواجهه اليوم ليس سرقة أو تمرداً عابراً، بل هو غدر استراتيجي وخيانة عظمى تستوجب الاستئصال الجذري.
ويجب أن نصدح بها عالية واضحة، الحزم والعقاب لا يرتبطان بمذهب أو قبيلة أو أصل أو فصل، فميزان العدالة يحاسب كل خائن على جرمه وما اقترفت يداه. من يرتكب خطيئة الغدر بالوطن والملك يمحو وجوده بيننا، ولا مكان له ولا لمن يتعاطف معه في مجتمعنا. وأقولها والله على ما أقول شهيد، لو أن والدي -رحمه الله وحاشاه من ذلك- انزلق في مستنقع الخيانة للوطن والقيادة، لكنت أول من يتبرأ منه، فمن لا خير فيه لوطنه الذي أظله وأطعمه، لا خير فيه لأي شيء آخر.
ختاماً، نرفع أكف الولاء ونجدد العهد لجلالة الملك المعظم، مؤمنين وموقنين بأن خير الوطن وأمانه يكمن فيما يراه ويقرره قائد مسيرتنا. نقولها بملء الفيه، يا جلالة الملك المعظم: نحن معك في الحزم والعزم، نعاهدك بالولاء المطلق والسمع والطاعة في العسر واليسر.
هذا أوانُ الشدِّ فاشتدي زِيَمْ
قد لفَّها الليل بسوّاق حُطَمْ
ليس براعي إبلٍ ولا غنمْ
ولا بجزارٍ على ظهر وَضَم
حفظ الله مملكة البحرين وشعبها الوفي، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار تحت راية جلالة الملك المعظم.