تحت ذريعة «الخصوصية» تركت الدولة خطاباً تضليلياً ينتمي لولاية الفقيه، جعل من هذا الولي سيداً عليهم كلمته فوق كلمة الدولة، بل وقطع العلاقة بين مقلديه وبين دولتهم، فترك هذا الخطاب أن يعيث في العقول فساداً لسنوات تحت سمع وبصر الدولة.
فهو خطاب لا ينتمي لعقل أو منطق، ضرب مصداقية قيم سيادية متعارف عليها دولياً، وتركته الدولة يمارس جرائمه التحريضية ضد الدولة وتحت سمعها وبصرها بحجة احترام خصوصية الجماعات. رفعت ولاية الفقيه شعارات ضد الدولة تلميحاً وتصريحاً، واكتفت الدولة بمنع تلك الشعارات عن الشوارع العامة فقط، فارتفع سقف تلك الشعارات متعذراً بإسقاطات تاريخية، ومفاهيم خاطئة أقنعتهم أن الدولة هي التي يجب أن ترضخ لمزاج المواطن بحجة احترام خصوصيته.
بل مارس ذلك التيار التضليل حتى في السرديات التاريخية المعاصرة لخلق الفجوة بين المواطن والدولة، وجعلها عدواً له في ذهنه منذ الصغر. استخدم ذلك التيار منابر دينية مرخصة ومسجلة في سجلات الدولة، ومنصات إعلامية ووسائل تواصل اجتماعية سُخِّرت لتجعل من يسمعها أن الدولة عدوه ومغتصبة لحقه، ومناهضتها فرض وشرع ديني، وكلها تعمل بترخيص من الدولة وتحت سمع وبصر الدولة.
معالجة الدولة اكتفت بمبادرات عن الوحدة الوطنية وهو هدف مشروع، إنما قبل تلك المبادرات طيبة النية أن تؤسس الدولة من جديد حدود العلاقة بين الخصوصية والعمومية.
لابد لذلك التيار أن يحترم ويلتزم بالقوانين وبأسس العلاقة الدستورية بينه وبين الدولة، والتي تنص على الولاء للدولة أولاً، ولا ولاية لأي شخص آخر غير قوانين الدولة أياً كانت درجة فقهه. فنحن لا نتحدث عن كيفية صلاته أو صيامه أو زواجه أو ميراثه، بل عن الولاء السياسي للدولة وهو إلزامي، وأن الدين لله والوطن للجميع، وأنه لابد أن يَحترِم حتى يُحترَم، وإلا يُطبَّق عليه قانون، فلا خصوصية تحميه في مسألة إلزامية الولاء للدولة.
ومن ثم تعالوا بعد ذلك نتحدث عن الوحدة الوطنية التي نحن على ثقة أنها ستحدث تلقائياً، فلم يفرقنا أبداً اختلاف المذاهب على مدى التاريخ البحريني القديم والمعاصر. كنا حقيقة إخواناً سنة وشيعة، ستعود الفطرة البحرينية الأصيلة التي كانت عليه قبل 1980 إخواناً سنة وشيعة، نعم كلنا تحت راية واحدة، دستور واحد، ونظام لا يميّز بيننا.
أي مؤسسة دينية أو ثقافية أو اجتماعية غير رسمية لابد أن تقرّ بأن مفهوم الدولة والولاء لها وأداء التزاماتها تجاه قوانين الدولة شرط من شروط منحها الترخيص، ودونها تُغلق هذه المؤسسة. حين نتوحد جميعنا بولائنا للدولة التي نعيش تحت رايتها، وحينها ستكون الشعارات والمبادرة الوحدوية لها فعالية وتأثيراً.
بعد أن يكون علم الدولة وحده موجوداً في أي مؤسسة، وحين تكون اللوائح التنظيمية ترهن نشاطها بالولاء للدولة مثل أي ترخيص لأي نشاط لابد أن يكون معلناً إلى جانب الرخصة الممنوحة لها. حين تنتهي حدود الخصوصية عند الولاء للدولة، من بعدها ستجدنا شيعة وسنة على قلب رجل واحد.
فرض الولاء للدولة واجب وطني وفرض إجباري دستوري نقسم عليه. نحن لا نقدّس البشر، ولا نصنع أصناماً، لكننا نحترم الدولة التي تعاقدنا معها وبيننا وبينها بيعة، لذلك -وبالقانون- الإلزامي نفرضه على كل من يطالب بحقوقه كمواطن.
من بعد القوانين الإلزامية يأتي دور التوعية بألف باء المواطنة، وهي مفاهيم تحتاج سقفاً عالياً من الخطاب لمقارعة الحجة بالحجة، خطاب يسلّط الضوء على معنى الدولة ومعنى المواطنة، خطاب قادر على نزع الغشاوة التي استمرت لسنوات. نقاش يتناوله الإعلام بشفافية وجرأة، فمن يعبث بتلك المفاهيم لا يتحدث في نطاق الخصوصية المذهبية، بل يهدّد السلم والأمن الوطني، وللدولة حق في مخاطبة مواطنيها.
الاكتفاء بالحديث الودي مع الأعيان والكبار كما جرى الحال لمدة عشرين عاماً لم يعد مجدياً، نحن أمام أجيال تنشأ على كم من المفاهيم المغلوطة تُغرس في عقولهم في مواقع لا يصل لها الأعيان، ولا تستطيع الدولة أن تصل لها، فهي ممنوعة بحكم الخصوصية.
هذا الشاب الذي يصطدم مع الأمن بشكل متكرر مقتنع أنه يجاهد في الدين، وأن رمي الحجارة والمولوتوف على دورية الشرطة من الإيمان، وإن قُبض عليه يسمى معتقلاً وأسيراً. هذا الخطاب موجود ومسموع يتحدى الدولة أن تقترب منه أو تمنعه، بحجة الخصوصية، وهذا الشاب مقتنع بأن الدولة أضعف من أن تتصدى له. فمن وضع له تلك المفاهيم في عقله ماكنة تضخ يومياً آلاف الرسائل من على جميع المنصات الواقعية والافتراضية محلية وخارجية، تقنعه بأن الدولة هي معسكر مضاد له، وأنها ظالمة وأنها تضطهده، وأنه ليس لها حقوق عليه ولا التزامات تجاهها، والدولة تسمع وترى غسيل العقول الذي يحصل تحت بصرها وسمعها، لكنها تتعامل معه بحذر بحجة احترام الخصوصية.
كيف يمكن مجادلة هذه العقول وهذه المغالطات، والإعلام متردّد في فتح الموضوع أساساً احتراماً للخصوصية؟مساحة حرية غير طبيعية يمتلكها المضللون، مقابل تقييد وحذر وتردد وبسقف إعلامي رسمي منخفض جداً. كيف يتمكن من معالجة هذا الرأي الباطل وتفنيده بسقف لا يواكب حجم مهددات الدولة وكيانها؟ وكأن الدولة ليس لها كل الحق في مناقشة تلك المفاهيم المغلوطة ودحض تلك الأكاذيب وتفنيدها. الدولة بهذا التردّد تعطي مؤشراً خاطئاً بأنها ضعيفة ومترددة، لأنها على خطأ.
وصل بهم الأمر أن تخابروا مع العدو، وتجسّسوا، وشمتوا بالاعتداء على الدولة علناً وأمام سمع وبصر الدولة، لاعتقادهم أن الدولة ضعيفة. لم يفهموا التسامح والعفو ويقدّروه، بل أساؤوا فهمه وتقديره.
نحن في مرحلة تحتاج فيها الدولة بكل مؤسساتها إلى أن تُعلي صوتها لتعيد ترتيب المفاهيم، وتحاسب تلك المنصات المضللة.الأدهى أنه بحجة الخصوصية فقدت آراء فقهية شيعية أخرى مختلفة مع هذا التيار الأصولي مكانتها الاجتماعية، ومورست عليها كل أنواع التقييد والعزل من قبل التيار الأصولي، ولم تتمكن الدولة من حمايتها بحجة احترام «الخصوصية».
العبث الذي كان يتمّ بحجة الخصوصية لابد أن ينتهي حين يصل الأمر إلى الامتناع عن إلزامية الولاء للدولة، هنا لابد للدولة بكل أجهزتها وبالقانون وبمواجهة الرأي بالرأي، فلا تردد بالقيام بواجبها بحجة الخصوصية. هذه الخصوصية لها حدود عند سلامة وأمن الدولة ووحدته الوطنية.أخيراً، شكّل هذا التيار الأصولي الإيراني خطراً على أمن المنطقة برمّتها، لا على أمن البحرين فحسب، وشبكته العربية لها قيادة إيرانية مركزية واحدة، وكان مدعوماً من الإدارة الأمريكية السابقة، فكيف تركنا أمننا تحت رحمته بحجة احترام الخصوصية؟!!