كانتِ البحرينُ في تلكَ الأيامِ تشبهُ مدينةً من نورٍ تقفُ على حافةِ الموج، بينما كانتِ الرياحُ القادمةُ من بعيدٍ تحملُ رائحةَ الفوضى وأصواتَ الخراب. غيرَ أنَّ هذه الجزيرةَ الصغيرةَ لم تكنْ يوماً هشّةً كما ظنّ العابثون، بل كانتْ أشبهَ بلؤلؤةٍ خبّأتْ في أعماقِها سرَّ البقاء؛ كلما حاولتِ العواصفُ أن تخدشَ بريقَها، ازدادَ لمعانُها نقاءً وصلابة.

وفي قلبِ المشهدِ، كانت القيادةُ تتحرّكُ كربّان يعرفُ لغةَ البحرِ وتقلباتِه، يدركُ أنَّ الأمواجَ حين تُتركُ بلا حدودٍ قد تبتلعُ المرافئَ والبيوتَ والأحلام.

وفي الأزمنةِ التي تتكاثرُ فيها العواصف، يبحثُ الناسُ عن معنىً يُشبهُ النجاة، عن يدٍ تُعيدُ للروحِ اتزانَها حين يختلُّ العالم. وهنا، في قلبِ البحرين، ظلَّ حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، الأبِ الذي لا يحرسُ حدودَ الوطنِ فقط، بل يحرسُ المعنى ذاته؛ معنى أن يشعرَ الإنسانُ أنَّ لهُ سقفاً من الأمان، وأنَّ خلفَ هذا الليلِ الطويلِ قلباً يسهرُ كي لا تنطفئَ القناديل.

وكان شعبُ البحرينِ -بكل طوائفه- يومها يشبهُ سرباً من الطيورِ يحلّقُ باتجاهٍ واحد، لا لأنَّ أحداً أجبرهُ على الطيران، بل لأنَّ الغريزةَ العميقةَ التي تسكنُ القلوبَ أخبرتْه أنَّ الوطنَ حين يُنادي لا يجوزُ التردّد. فالتفَّ الناسُ حولَ قيادتهم كما يلتفُّ الضوءُ حولَ الفجر، أما الوطنُ نفسه، فقد بدا ككائنٍ أسطوريٍّ يحرسُهُ أبناؤه؛ كلُّ بيتٍ فيه كان شمعة، وكلُّ قلبٍ كان جداراً.

وحين يلتفُّ الشعبُ حول قيادتِه الحكيمة، يصبحُ الوطنُ أشبهَ بنجمةٍ بعيدةٍ لا تستطيعُ العواصفُ أن تُطفئها، لأنَّ الرؤية الثاقبة حين تتحالفُ مع الولاءِ، يتحوّلُ الأمانُ من نعمةٍ عابرةٍ إلى قدرٍ جميلٍ يُشبهُ الخلود.

لهذا تبقى البحرين -رغم كلّ ما مرّ بها- وطناً لا تنطفئُ قناديلُه، والوطنُ الذي لا تنطفئُ قناديلُه، هو وطنٌ تسهر عليه عيونُ المخلصين، وتُضيء دروبه حكمةُ القيادة، وتبقى في أروقته القديمة رائحةُ الأمان، كأنّ التاريخ نفسه يمشي مطمئنّاً تحت سقفه.