يشهد العالم في العقود الأخيرة تحولات متسارعة تقودها الثورة الصناعية الرابعة، حيث أصبح الابتكار بمختلف أنواعه أحد الركائز الأساسية للنمو الاقتصادي وتعزيز القدرة التنافسية للدول، كما أن الابتكار لم يعد مقتصراً على الجوانب التكنولوجية فقط، بل يشمل الابتكار التنظيمي والمؤسسي الذي يسهم في تحسين الأداء العام للمؤسسات. ولم يعد الابتكار مجرد نشاط تكميلي، بل تحوّل إلى عنصر جوهري في بناء الاقتصادات الحديثة، ورافعة رئيسة لتحسين الإنتاجية وتعظيم القيمة المضافة، بما ينعكس بشكل مباشر على مؤشرات الأداء الاقتصادي الكلي، وعلى رأسها الناتج المحلي الإجمالي. كما أن الابتكار يُعد أحد المحركات الرئيسة للنمو طويل الأجل، خاصة في الاقتصادات القائمة على المعرفة، سواء كان تكنولوجياً أو تنظيمياً، حيث يُسهم في تحقيق أداء اقتصادي متفوّق ومستدام على مستوى المؤسسات والدول، ويعزز من قدرة الاقتصادات على التكيف مع التحولات العالمية. فالابتكار يُسهم في تحسين الإنتاجية وتعزيز القدرة التنافسية للدول.
وفي هذا السياق، برزت منظومات الابتكار «Innovation Ecosystems» كإطار تكاملي يضم مختلف الفاعلين من مؤسسات قطاع عام وقطاع خاص ومراكز بحثية، حيث تتكامل الأدوار لإنتاج الابتكار وتسريعه وتحويله إلى قيمة اقتصادية. كما أن كفاءة منظومات الابتكار لا تعتمد فقط على وجود الفاعلين، بل على جودة الروابط المؤسسية وتدفق المعرفة بينهم، وهو ما يُعزز من قدرة هذه المنظومات على تحقيق نتائج ابتكارية مستدامة. لذا، ترتبط فعالية منظومات الابتكار بدرجة التنسيق المؤسسي ومرونة الهياكل التنظيمية التي تسمح بتبادل المعرفة والتعلّم التفاعلي بين الفاعلين. ومن بين أبرز هذه الآليات ما يُعرف بمسرّعات الابتكار «Innovation Accelerators»، التي تمثل أدوات تنظيمية وبرامجية تهدف إلى دعم الابتكارات في مراحلها المبكرة وتسريع نموّها. كما تُسهم هذه المسرّعات في تقليل الفجوة الزمنية بين تطوير الفكرة وتسويقها من خلال توفير بيئة داعمة تشمل التمويل والإرشاد والشبكات المهنية. وقد تطور هذا المفهوم ليشمل نماذج أكثر تقدمًا، من بينها مسرّعات الابتكار التجمّعية «Clustered Innovation Accelerators»، التي تقوم على تجميع الفاعلين ضمن قطاعات محددة، بما يعزز التفاعل المعرفي والتكنولوجي ويُسرّع تدفق الابتكار.
وعليه، قبل تفكير الأجهزة المعنية بالدولة في تحفيز الحلول الابتكارية بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وكذلك قبل تفكير أصحاب المؤسسات ذاتها في تحفيز منتسبيها المبتكرين واستثمار مخرجاتهم الابتكارية وتمويلها، لابد أن يسبق ذلك تأسيس هيكلية تنظيمية ابتكارية لتلك المؤسسات من أجل تحقيق الأداء الابتكاري المؤسسي المأمول.