لموسم الحج لذة خاصة في نفوس العاملين الذين اصطفاهم الله عز وجل لخدمة ضيوف الرحمن ووفوده، ولذة أخرى لأولئك الذين اختارهم المولى الكريم ليكونوا ضمن ضيوفه هذا العام، ولمن اعتاد أن يكون خادماً لوفود الرحمن؛ فهو بلا شك على موعد متجدد مع أجمل المواسم والرحلات. هكذا هي المشاعر التي أجدني أكتب سطورها بأساليب متعددة، كلما وطئت الأقدام أرض مكة الحبيبة، وكلما اقتربت اللحظات الحاسمة التي تخطف القلوب في رحاب عرفة.
أقول أولاً لكل من اصطفاه المولى الكريم ليكون ضمن وفود الرحمن هذا العام، عش أشواق الحج بقلبك ومشاعرك ووجدانك، فهي محطة ليست كسائر المحطات، ورحلة ليست كبقية الرحلات، بل هي أجمل رحلة ينبغي أن تعيشها بكل أحاسيسك، وألا تدع للشيطان فرصة يتسلل بها إلى نفسك؛ فيشغلك بأمور هامشية تعيق تفكيرك عن التركيز في الإيمانيات والمشاعر التي تتجدد في أيام الحج. اجعل تركيزك الأكبر هذه الأيام على ذاتك، وعلى تطهير قلبك من شوائب الحياة، وعلى إيمان تسأل الله تعالى أن يثبتك عليه حتى الممات؛ لأنك على موعد مع الرحيل المحتوم الذي لا مفر منه، حيث ستلقى ربك بما صنعت من أثر في هذه الحياة.
اكتب أثرك منذ اللحظة الأولى في أجمل رحلة على الإطلاق، وطهّر نيتك، واصدق مع الله تعالى بأن تكون هذه الرحلة محطة تغيير وتأمل في حياتك؛ فأنت تطأ أرض مهبط الوحي، وغار التأمل الذي انطلقت منه مبادئ ديننا الإسلامي الحنيف. تذكّر كيف بدأت انطلاقة الرسالة النبوية من غار حراء، وكيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعبد ويتأمل ويتعرف على خالقه، حتى جاءت لحظة التغيير الكبرى، فعاد إلى خديجة رضي الله عنها، تطمئنه وتهدئ من روعه. ما أجملها من لحظات ستعيشها ـ أيها الحاج ـ في هذه البقعة المباركة.. عشها بأحاسيسك وسكونك وهدوئك، وابتعد عن التذمر وأحاديث الحياة وملهيات الهواتف، واجعل لك نصيباً من قراءة القرآن، والذكر، والتسبيح، والدعاء، فما أجمل الدعاء في مثل هذه المواطن.
أما التجربة الإيمانية المتجددة ضمن الفريق العامل في حملة صهيب الرومي للحج والعمرة، فهي الأخرى تجربة فريدة في خدمة ضيوف الرحمن، تتجدد عبر سنوات قضيناها في هذا الميدان المبارك، وتأتي اليوم امتدادًا لخطوات من الخير وصناعة الأثر التي سعينا لغرسها في نفوس حجاج بيت الله الحرام، سائلين الله الكريم أن يتقبلها منا.
إن ميدان خدمة ضيوف الرحمن ليس ميداناً للمنافسة بقدر ما هو ميدان لتعميق الأثر الإيماني في نفس كل حاج أتى ليؤدي أجمل رحلة في عمره، وهذا ما نحرص عليه باستمرار؛ بأن يكون لكل واحد منا أثر طيب في نفس كل حاج يتعامل معه. وهي كلمة نرددها دائماً، وذكّر بها الشيخ د. صهيب شريف، رئيس الحملة هنا في مكة، جميع العاملين في لجان الحملة، بالتأكيد على تجديد النية واستشعار فضل خدمة ضيوف الرحمن، لتلك الثلة التي سخّرت جهدها ووقتها لتكون على الموعد في خدمة وفود الرحمن.
وعندما نقول إنها تجربة متجددة، فإننا نعني أننا على موعد مع تغيير أنفسنا أولاً، حتى نستطيع أن نترك أثرًا جميلًا في كل حاج نتعامل معه. والأجمل أن أفراد اللجان العاملة في الحملة، على اختلاف أعمارهم ومستوياتهم الأكاديمية والإدارية، يعملون بروح منسجمة، يؤدون مختلف الأعمال دون تفريق، من أجل تحقيق رؤية واحدة وهدف واحد؛ يتمثل في رضا الله تعالى أولًا، وأن يعيش الحاج تجربة حج إيمانية متميزة لا ينسى أثرها طوال حياته. والأجمل من ذلك أن تعيش أعماق هذه التجربة وتنقل مشاعرك فيها، لا باعتبارها ترفًا إعلاميًا، بل بوصفها صناعة أثر ونقل تجربة إيمانية عميقة لكل الناس، ولكل من تأخر في اتخاذ قرار الحج، ولكل من حج وعاش هذه التجربة بمشاعره وأحاسيسه، فلعل معالم الإيمان تتجدد في قلبه من جديد، فيعيشها مرة أخرى وإن كان بعيدًا.
ومن أجمل ما في هذه الرحلة تلك الأصداء التي تصلك من هنا وهناك، ممن يستذكرون معالم عاشوها معك في سنوات مضت. فقد اتصل بي أحدهم يستعيد ذكريات العام الماضي، والمشاعر التي عاش لذتها، وتنقلاتنا في الحافلة، والروح الإيمانية والأخوية التي جمعتنا، وبقيت أصداؤها في نفسه، وذكرياتها في هاتفه، وتأثيرها حاضرًا في وجدانه؛ فعاد مترنماً بالخير، محافظاً على ذكر تعلمه، ومداوماً على ورده من القرآن، ومتأملاً حياة قصيرة سيرحل عنها يوماً ما.
وعندما تشعر بالقرب الأخوي، وبالتقدير والاحترام المتبادلين، وبإحساس الجميع بالمسؤولية تجاه أدق التفاصيل، وبالاستعداد لأي مهمة تتوافق مع الخبرة والقدرة على العطاء، وعندما ترى الجميع يتعامل معك وكأنه يعرفك منذ زمن طويل؛ فإنك تحمد الله سبحانه وتعالى على نعمة الإسلام التي جمعت القلوب، وتحمده أن اصطفاك لتكون مع ثلة مخلصة معطاءة، وفي واحدة من كبرى الحملات في مملكة البحرين، وأنعم عليك بمثل هذه المشاعر التي لا تُرد إلا إلى فضل الله عز وجل واختياره الخير لعباده.
إنه اصطفاء يجعلك لا تتأخر لحظة واحدة في تقديم الخير والعطاء والتطوع في هذا الميدان الجميل، وتقديم رسالتك المؤثرة في أجمل الرحلات وأعظم الميادين. سبحانك يا رب.. يبقى موسم الحج موسم خير لكل من اصطفاه المولى ليكون هنا في أرض مكة، بلا مقاصد دنيوية ولا مبتغيات حياتية، بل يكفيهم شرفًا أنهم تواجدوا في أرض يتنزل فيها المولى الكريم في يوم عرفة إلى السماء الدنيا، ويباهي بأهل عرفات ملائكة السماء، ويقول: «انظروا إلى عبادي، أتوني شعثاً غبراً من كل فج عميق، أُشهدكم أني قد غفرت لهم».
ومضة أملاللهم احفظ ووفّق حجاج بيتك في حجهم، ووفّق كل من اصطفيته لخدمتهم ابتغاء مرضاتك.