ما جدوى وثيقةٍ تُوقَّع بيد، بينما اليد الأخرى تُطبق على الزناد؟ هذا ما فرضته طهران على العالم مجدداً، حين حوّلت التزاماتها المكتوبة إلى مجرد استراحةٍ تلتقط فيها أنفاسها قبل جولة غدرٍ جديدة. فما إن جفّ حبر «مذكرة تفاهم إسلام آباد»، التي تعهّد بموجبها النظام الإيراني بتأمين الملاحة في مضيق هرمز، حتى عادت مسيّراته وصواريخه لتستهدف السفن المدنية والأعيان الحيوية في مياهنا، لتؤكد أن العهود مع هذا الكيان لا تساوي قيمة الورق الذي كُتبت عليه.
لقد جاء بيان مجلس الوزراء الموقّر ليُسمّي هذا العدوان بمسمّاه الصريح، انتهاكٌ صارخٌ لسيادة الدول، ومخالفةٌ سافرةٌ للقانون الدولي ولميثاق الأمم المتحدة، وخرقٌ مباشرٌ لقرار مجلس الأمن رقم (2817) لسنة 2026 — ذلك القرار الذي حملت مملكة البحرين لواءه أمام العالم، فأدان اعتداءات طهران بوصفها خرقاً للشرعية الدولية. إن استهداف منشآت الطاقة والبنى التحتية التي تخدم المواطن في قوته اليومي ليس «ردة فعل» كما تروّج الأبواق، بل هو إرهاب دولةٍ مكتمل الأركان، يضاف إليه اليوم وزرٌ جديد، نكثٌ لتعهّدٍ رسميٍّ قطعه النظام بخطّ يده. وهكذا يثبت أن «حسن الجوار» في قاموسه غطاءٌ يُرفع وقت الضعف ويُداس وقت العربدة.
وهذا العدوان، وإن استهدف سفناً بعينها، يطعن شرياناً يخصّ العالم بأسره. فمضيق هرمز ممرٌّ مائيٌّ دوليٌّ لا يخضع لوصاية أحد، تعبره حصةٌ ضخمة من نفط العالم وغازه. وحين تحوّله طهران إلى ورقة ابتزاز، بالإغلاق تارةً وبفرض «الرسوم» تارةً، فإنها تضع رقبة التجارة العالمية تحت سكينها. ولهذا نصّ القرار صراحةً على أن أي محاولةٍ لإعاقة الملاحة فيه تهديدٌ للسلم والأمن الدوليين. إن تأمينه ليس شأناً خليجياً محلياً، بل التزامٌ على المجتمع الدولي بأسره.
ومن هنا تمتدّ المسؤولية إلى كل دولةٍ تؤمن بأن للقانون قيمة. فالصمت أمام دولةٍ تنقض تواقيعها، وتستبيح الممرات ليس حياداً، بل تواطؤاً يغري المعتدي بالتمادي. والعالم مُطالَبٌ بأن يترجم إدانته إلى فعلٍ يردع ويصون النظام الدولي، قبل أن يتحوّل الإفلات من العقاب إلى قاعدةٍ يقتدي بها كل مارق.
وفي مواجهة ذلك، تقف مملكة البحرين راسخةً لا تهتز. فهذه الاعتداءات، مهما تعاظمت، لن تنال من عزيمتها ولا من ثبات شعبها الملتفّ حول قيادته بقيادة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله ورعاه. وحقّها في الدفاع عن سيادتها وأمنها وسلامة أراضيها حقٌّ مشروعٌ لا يقبل المساومة، تصونه وهي تمدّ يدها إلى أشقائها مؤكدةً تضامنها الكامل معهم؛ فاستهداف أي عاصمةٍ خليجية استهدافٌ للجسد الخليجي الواحد.
لقد انقضى زمن الرهان على نوايا من جعل الغدر عقيدة. والدرس واضحٌ لا لبس فيه، إن الاتفاقيات لا تُقاس بما يُوقَّع تحت الأضواء، بل بما يُنفَّذ في الميدان. ومن يوقّع بيمينه ويغدر بشماله، لا يُرجى منه حفظُ عهدٍ.. كمن يستودع داره لصاً ويرجو منه أن يحرسها.