زهراء حبيب

لستُ من متابعي كرة القدم باستماتة، لكنني أنتظر كأس العالم كل أربع سنوات. أتابعه أولاً لتشجيع المنتخبات العربية، ثم لأرى كيف تطورت المنتخبات الوطنية في عالمنا العربي، وكيف أصبحت قادرة على مقارعة المدارس الكروية العريقة التي تمتلك تاريخاً طويلاً وخبرة كبيرة، وسبق لها اعتلاء منصة التتويج مرات عديدة.

وفي كل نسخة من كأس العالم، لا تكون المباريات وحدها هي الحدث، بل القصص التي ترويها لنا كرة القدم. نستذكر أبطالاً تركوا بصمة لا تُنسى، وحفروا أسماءهم في التاريخ، وجميعهم يجتمعون في نقطة واحدة؛ أن الطريق لم يكن سهلًا، وأن كرة القدم كانت متنفسهم وسط ظروف صعبة، قبل أن تتحول إلى جسر قادهم نحو مستقبل مليء بالإنجازات.

لكن كل نسخة تحمل معها قصة مختلفة. ففي هذه النسخة، ودّعنا أسماءً صنعت تاريخ اللعبة، وأساطير ارتبطت بها ذاكرة الجماهير، وفي المقابل برز جيل جديد أثبت أن المجد لا يُمنح بالأسماء، بل يُنتزع بالعمل والإصرار.

ولعل تتويج إسبانيا باللقب بعد تفوقها على الأرجنتين خير دليل على ذلك. فالأرجنتين كانت تأمل أن يختتم ليونيل ميسي مسيرته في كأس العالم بلقب جديد، لكن كرة القدم لا تعترف بالأمنيات، بل تكافئ الفريق الأكثر جاهزية وانضباطاً وقدرة على تنفيذ خططه داخل المستطيل الأخضر. وقد أثبت المنتخب الإسباني أنه الأحق باللقب بفضل تكتيكه، وروحه القتالية، وإصراره حتى اللحظات الأخيرة. كما أن كثيرين وجدوا في تشجيع إسبانيا موقفاً يعكس تقديرهم لمواقفها الداعمة للشعب الفلسطيني، إلى جانب ما قدمه المنتخب من أداء استحق عليه التتويج.

كأس العالم لا يمنح الكؤوس فقط، بل يمنح الشعوب الأمل. يعلمنا أن النجاح يحتاج إلى صبر، وأن الخسارة ليست نهاية الطريق، بل بداية جديدة للمحاولة. ويغرس فينا روح الصمود والكفاح، تماماً كما نسعى في حياتنا لتحقيق أهدافنا بالإصرار والعزيمة وعدم الاستسلام.

كما يعلمنا معنى الوطنية الحقيقي، حين يقضي اللاعبون سنوات طويلة في التدريبات والمعسكرات، ويحملون على عاتقهم مسؤولية تمثيل أوطانهم بأفضل صورة، ساعين إلى رفع علم بلادهم في أعلى المحافل الرياضية وكتابة أسمائهم في سجل التاريخ.

ويعلمنا أيضاً أن الأمل قد يولد في الدقائق الأخيرة، وأن الصبر قد يكون طريقاً إلى الفرج، وأن المباراة لا تنتهي إلا مع صافرة النهاية.

ومن أجمل الدروس التي تقدمها كرة القدم أن النجاح لا يصنعه فرد مهما بلغت موهبته، بل يصنعه فريق متكامل. فالقائد الحقيقي ليس من يسجل أكبر عدد من الأهداف، وإنما من يجعل المجموعة كلها تعمل بروح واحدة، ويقودها نحو الانتصار.

واليوم، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة تمارس من أجل المتعة أو منافسة تُحسم داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل أصبحت صناعة عالمية واستثماراً اقتصادياً ضخماً تضخ فيه مليارات الدولارات، وتتنافس الدول على استضافته لما يحققه من عوائد اقتصادية وسياحية وإعلامية هائلة، وهذا ما حاول استغلاله في هذه النسخة المقامة في أمريكا.

ورغم أن الرياضة يفترض أن تجمع الشعوب، فإن السياسة لا تغيب عنها تمامًا. فقد فرضت حضورها في كثير من النقاشات خلال هذه النسخة، سواء من خلال مواقف المنتخبات، أو رسائل الجماهير، أو التفاعل العالمي مع القضايا الإنسانية، لتؤكد أن كرة القدم أصبحت مرآة للعالم بكل ما يحمله من تنافس، واقتصاد، وسياسة، وقيم إنسانية.

ولعل هذا هو سر سحر كأس العالم؛ فهو ليس مجرد بطولة تتوج فيها المنتخبات، بل حدث عالمي يعكس تحولات الشعوب، ويمنح الأمل، ويصنع الأبطال، ويكتب في كل نسخة فصلاً جديداً من التاريخ.

وأخيراً، تؤكد لنا كرة القدم أن البوصلة ليست ثابتة، وأن التاريخ وحده لا يضمن الفوز.

فما حدث في هذه النسخة يثبت أن المنتخبات الشابة قادرة على قلب كل التوقعات، وأن الأسماء الكبيرة لا تكفي لحسم البطولات. فالكثيرون توقعوا تكرار المواجهة النهائية بين فرنسا والأرجنتين كما في النسخة الماضية، لكن إسبانيا كتبت فصلاً جديداً في تاريخ اللعبة، وأثبتت أن من يجتهد اليوم، هو من يصنع تاريخ الغد.