كتبتُ سابقاً عن مشاعر الاحتفاء بمرور خمسة وعشرين عاماً على تأسيس المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية، ذلك الاحتفاء الذي يمتد عاماً كاملاً؛ تأكيداً لحرص المؤسسة على إبراز الجهود الملكية في رعاية هذه المسيرة الإنسانية المباركة، التي أرسى دعائمها جلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه، وجعل الإنسان وكرامته في صدارة أولوياتها.

ومازالت تلك المشاعر تتجدد بدفئها، ويزداد أثرها مع كل قصة نجاح صنعتها المؤسسة، سواءً من المؤسسين والعاملين الذين أسهموا في بنائها، أو من أبنائها وأمهاتها، وشركائها، ومتطوعيها، وكل من ترك بصمة مضيئة في مسيرتها. وتتجدد هذه الرسائل مع حلول الرابع عشر من يوليو، ذكرى تأسيس المؤسسة، لنستحضر معها محطات مضيئة صنعت هذا الإرث الإنساني، وأشخاصاً كانت لهم بصمات خالدة في مسيرتها.

الأولى: إلى جلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه، الذي أمر بتأسيس لجنة خاصة لكفالة الأيتام البحرينيين في الرابع عشر من يوليو عام 2001، في إطار مكرمة أميرية آنذاك، تقضي بمنح كل يتيم مخصصاً شهرياً، ليكون ذلك في ميزان حسنات المغفور له بإذن الله تعالى صاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، طيب الله ثراه. وكانت هذه المبادرة إحدى ثمار المشروع الإصلاحي لجلالته، التي أثمرت فيما بعد صرحاً وطنياً إنسانياً شامخاً في العطاء والعمل الخيري، ليغدو منارة للخير وأثراً إنسانياً ممتداً، وصدقة جارية تؤتي ثمارها في كل حين. فجزى الله جلالة الملك خير الجزاء، وكتب أجره، وأطال في عمره، وأبقاه ذخراً وسنداً وعوناً لهذا الوطن وأبنائه.

الثانية: إلى سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة، ممثل جلالة الملك للأعمال الإنسانية وشؤون الشباب، رئيس مجلس أمناء المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية، الذي تولّى زمام القيادة منذ عام 2007، وعلى مدى تسعة عشر عاماً ليقود مرحلة جديدة من التطوير والتمكين، ويواصل مسيرة البناء والإنجاز، حتى أصبحت المؤسسة نموذجاً وطنياً رائداً في العمل الإنساني والتنموي، وامتد أثرها داخل مملكة البحرين وخارجها. فجزاه الله خير الجزاء، وبارك في جهوده، وكتب له أجر كل خير.

الثالثة: إلى فضيلة الشيخ عدنان بن عبدالله القطان، الرئيس الأول للجنة كفالة الأيتام، الذي حظي بشرف التكليف من جلالة الملك المعظم في قصره العامر، لتبدأ من تلك اللحظة حكاية النجاح والأثر الإنساني. ومازال فضيلته يواصل مسيرة الخير والعطاء منذ ذلك الحين، حتى أصبح نائباً لرئيس مجلس الأمناء، ولم يتوانَ يوماً عن دعم المؤسسة، والمشاركة في برامجها ومناسباتها، ومساندة مشاريعها الإنسانية، ولا سيما تلك التي تُعنى بالأيتام والأرامل. والحق يُقال، فقد كان ومازال مثالاً للمبادرة والعطاء، فنسأل الله تعالى أن يبارك في عمره وعمله، وأن يجزيه خير الجزاء.

الرابعة: إلى المؤسسين والرعيل الأول من أعضاء المؤسسة، يتقدمهم الأستاذ حسن جاسم زويد، أول أمين عام للمؤسسة، الذي أسهم مع أعضاء اللجنة في وضع اللبنات الأولى لتأسيس هذا الصرح الإنساني، وأطلق العديد من المبادرات والبرامج التي مازالت تؤتي ثمارها حتى يومنا هذا. وقد عمل مع فريقه بإخلاص واجتهاد ولساعات طويلة، من أجل أن تكون المؤسسة عند حسن ظن جلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه، وكان داعمًا حقيقيًا للعمل الإنساني، ومحفزًا على الإبداع والتميز.

الخامسة: إلى الدكتور مصطفى السيد، ثاني أمين عام للمؤسسة، الذي أمضى أطول فترة في قيادة الأمانة العامة، امتدت ستة عشر عاماً، شهدت خلالها المؤسسة توسعاً نوعياً في برامجها الإنسانية، ولاسيما في المشاريع التنموية والإغاثية المستدامة. وكان قريباً من الجميع بأسلوبه الإنساني الراقي، حريصاً على استقطاب الكفاءات وتمكينها، مؤمناً بالعمل الجماعي، وبناء القيادات، وتعزيز روح المبادرة، فترك بصمةً لاتزال حاضرة في ذاكرة المؤسسة ومنسوبيها.

السادسة: إلى جميع أبناء المؤسسة من الرعيل الأول، الذين تربّوا في كنفها، ونهلوا من برامجها القيادية الأولى، وفي مقدمتها «الملتقى القيادي»، ثم كبروا وتبوؤوا مواقع قيادية وإدارية مرموقة في وطن العز والخير والعطاء. نفخر بهم جميعاً، ونعتز بكل من عاش تجربة النجاح، وتجاوز تحديات الحياة بالإرادة والعلم والعمل. لقد كان «الملتقى القيادي» مدرسةً عمليةً وأسريةً متكاملة، غرست فيهم الثقة، وعلمتهم مواجهة الصعوبات، وصناعة النجاح من قلب التحديات، من خلال المعايشة، والقدوة، والعمل الجماعي. وهم اليوم، على كثرتهم، مازالوا يعتبرون المؤسسة بيتهم الأول، يعودون إليها بالمحبة والوفاء. فهنيئاً لهم، وهنيئاً لوالدهم جلالة الملك المعظم، وهنيئاً للبحرين بهذه الطاقات الوطنية المخلصة.

السابعة: إلى جميع أمهات المؤسسة، وبخاصة أولئك اللاتي عاصرن سنوات التأسيس الأولى، وأصبحن اليوم نماذج مشرّقة لأمهات ناجحات، صنعن من التحديات قصصاً للنجاح، وربّين أبناءهن حتى أصبحوا أفراداً فاعلين في خدمة وطنهم ومجتمعهم. لقد حرصت المؤسسة منذ البدايات على تأهيلهن وتمكينهن من خلال «ملتقى الأمهات»، الذي شكّل حاضنةً أسريةً للتدريب والتوجيه والدعم، فكنّ خير مثال للعطاء والصبر والنجاح، وأصبحن اليوم قدوةً للأمهات الجدد. فجزاهن الله خير الجزاء، وبارك فيهن، وجعل ما قدمنه في موازين حسناتهن.

الثامنة: إلى جميع أسرة المؤسسة من الموظفين والموظفات، وإلى كل من كان جزءاً من هذه المسيرة الإنسانية، ولو لسنوات قليلة. هنيئاً لكم هذا الاصطفاء للعمل في ميدان الخير، وفي بيت الإنسانية. لقد كنتم، ومازلتم، عنواناً لهذا الإرث الإنساني الخالد، ولكم من الأجر نصيب في كل قصة نجاح ليتيم، أو أرملة، أو أسرة، أو محتاج، انتقل بفضل الله ثم بجهودكم من ضيق الحياة إلى رحابة الأمل والعطاء. كنتم بعطائكم وإخلاصكم عوناً لهم في قضاء حوائجهم، وبلسماً يخفف آلامهم، وصناعاً للأمل في نفوسهم. فجزاكم الله الفردوس الأعلى، وبارك في أعماركم وأعمالكم، وجبر خواطركم بما تحبون.

ومضة أمل

العمل في مؤسسة «ملك الإنسانية» ليس بالأمر الهيّن، بل هو تكليف رباني قبل أن يكون وظيفة، وتشريف بالانتماء إلى مؤسسة أسسها قائد أحب الإنسان، ورعى اليتيم والأرملة، فامتد أجره في الدنيا والآخرة. فهنيئاً لحمد الخير، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة»، وأشار بالسبابة والوسطى. وقال أيضاً: «الساعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار». إنها مسؤولية عظيمة، ورسالة قبل أن تكون وظيفة. ومن اصطفاه الله تعالى لخدمة الأيتام والأرامل والمحتاجين، فليعلم أنه يحمل أمانة إنسانية ووطنية عظيمة، تستحق أن تُؤدَّى بإخلاص وتفانٍ، وأن تُصان بالإتقان، وأن تُثمر أثراً جميلاً يبقى بعد رحيل أصحابها.