كل حرب تبدأ بحسابات دقيقة، لكن الحروب نادراً ما تنتهي عند الحدود التي رسمها أصحاب القرار. وهذا ما تكشفه تطورات المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، التي لم تعد تداعياتها محصورة داخل الجغرافيا الإيرانية، بل أخذت تتسع لتطال أطرافاً لم تكن جزءاً من الصراع، مهددةً بجر المنطقة، وربما العالم، إلى مواجهة أوسع يصعب التحكم في مساراتها أو التكهن بنهاياتها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما زالت إيران تحتفظ بقائمة خصومها التقليدية، أم أنها تعمل على توسيعها بوتيرة متسارعة؟ تشير الوقائع إلى أن دائرة المواجهة لم تعد تقتصر على خصومها المعروفين، بل امتدت لتشمل أطرافاً لم تكن تسعى إلى الانخراط في هذا الصراع. وهذا يكشف أن صانع القرار في طهران بات يتصرف بعقلية لا تميز بين الخصم المباشر والدولة المحايدة، وكأن النظام يحرق ما تبقى لديه من أوراق قبل الوصول إلى لحظة السقوط.
ويبرز هذا النهج بصورة أوضح في العبث بأمن الملاحة الدولية في مضيق هرمز، عبر استهداف السفن التجارية دون اكتراث بالأعلام التي ترفعها أو بالمصالح الاقتصادية التي تمثلها. ويعكس ذلك، في تقديري، اتساع الفجوة بين الحسابات السياسية ومتطلبات الدولة من جهة، وبين النهج العسكري الذي يفرض إيقاعه على صناعة القرار من جهة أخرى، حتى بدا الحرس الثوري هو اللاعب الأكثر تأثيراً في رسم السياسات.
وهنا يكمن مكمن الخطر الحقيقي؛ فإذا امتدت الاعتداءات إلى سفن تحمل أعلام دول آسيوية أو أوروبية، فقد تجد تلك الدول نفسها مضطرة إلى إعادة تقييم موقفها، وربما الانتقال من موقع المراقب إلى موقع الفاعل دفاعاً عن مصالحها التجارية وأمنها البحري. وعندها لن تكون إيران قد فتحت جبهة جديدة فحسب، بل ستكون قد وسعت دائرة الصراع إلى نطاق دولي لم يكن في حسبانها.
ولا يقتصر الأمر على الجانب العسكري، فهناك خصم آخر يزداد ثقلاً يوماً بعد يوم، وهو الاقتصاد العالمي. فكل اضطراب في مضيق هرمز ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة وحركة التجارة البحرية، ويغذي المخاوف من تباطؤ اقتصادي عالمي. إن استمرار استخدام المضيق كورقة ضغط لن يدفع المجتمع الدولي إلى الوقوف موقف المتفرج طويلاً، لأن أمن الممرات البحرية لم يعد شأناً إقليمياً، بل مصلحة دولية مشتركة لا تسمح الدول الكبرى بتهديدها لفترة طويلة.
وفي الداخل، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فإيران تراهن على حرب استنزاف طويلة، معتقدة أنها قادرة على إنهاك خصومها عبر شبكة من الوكلاء الإقليميين، إلا أن هذا الرهان يصطدم بواقع اقتصادي مثقل بالأزمات والعقوبات والضغوط المتراكمة منذ سنوات. ومع استمرار الحرب، تتزايد كلفة المواجهة بصورة قد تجعل قدرة النظام على تحملها تتراجع تدريجياً، في وقت يزداد فيه العبء على المواطن الإيراني الذي يدفع الثمن الأكبر.
وقد يتمكن النظام الإيراني من الصمود لبعض الوقت، لكن استمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية في آن واحد سيضعه أمام تحديات داخلية غير مسبوقة، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع اتساع حالة السخط الشعبي وتراجع القدرة على احتواء الأزمات المعيشية. وعندها قد يصبح التحدي الداخلي أشد خطراً على النظام من أي مواجهة خارجية.
لقد أصبحت إيران اليوم محاصرة بين جبهتين لا تقل إحداهما خطورة عن الأخرى؛ جبهة خارجية تتسع مع كل خطوة تصعيدية تمس أمن الملاحة أو تستفز المجتمع الدولي، وجبهة داخلية يزداد فيها التدهور الاقتصادي وتتنامى معها مشاعر الإحباط والغضب الشعبي. ومن يظن أن الزمن يعمل لصالح طهران، قد يكتشف أن الزمن ذاته هو الذي يقترب، يوماً بعد آخر، من دق آخر مسمار في نعش هذا النظام.
* قبطان - رئيس تحرير جريدة «ديلي تربيون» الإنجليزية