عبدالله الجنيد

لا يُستخدم مفهوم «السيكوباتية» هنا بوصفه تشخيصاً لنظامٍ سياسي، وإنما استعارة بلاغية لـ«نمط» من السلوك السياسي المتجذّر في شخصية نظامٍ سياسي. وهو نمط يتسم دائماً بضعف الإحساس بالكلفة الإنسانية، والإفراط في تضخيم سرديات المظلومية، وإنكار المسؤولية الذاتية، والمراهنة على التصعيد بوصفه أداة لشرعنة النفوذ خارج حدوده الطبيعية. ويقتصر هذا التوصيف على دوائر صنع القرار في نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وعلى ما رسّخه النظام من ثقافة دولة منذ يومه الأول عام 1979.

وللاستدلال على هذه الحالة، أدعوكم إلى مراجعة تصريح نُقل عن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في 25 يوليو الجاري، قال فيه: «إن طهران قررت، عقب حالات اشتباك في هرمز وخلال محادثات في سويسرا، فتح خط اتصال مباشر (Hotline) مع الولايات المتحدة لتجنب سوء التفاهم». وأضاف «اتضح أن الأمر يتجاوز سوء الفهم، وأن واشنطن تسعى إلى فتح مسارات أخرى والدفع باتجاه التصعيد»، فضلاً عن اتهامها بانتهاك الاتفاق القائم.

إلا أن ما ادعاه عراقجي من اشتباكات مع البحرية الأمريكية في مضيق هرمز هو، بحسب هذا الطرح، من نسج الخيال؛ إذ إن إيران ارتكبت خرقاً بالاعتداء على سفن مدنية في خليج عُمان، ما استدعى إعادة واشنطن فرض الحصار البحري على جميع الموانئ الإيرانية. عراقجي اجتهد عن قناعة، في اجتراح سردية داعمة لفرضية «الندية السياسية والعسكرية». ومع أن ذلك مقبول في العرف السياسي، فإن طهران ليست ندّاً لواشنطن عسكرياً أو سياسياً. وما التوسع الإيراني إقليمياً إلا نتيجة توافقات أمريكية إيرانية، على خلفية غزو العراق عام 2003.

كما فشلت طهران في الحضور على المستوى الإقليمي كشريك مسؤول في الملفات المشتركة، وفي إدارة المخاطر بدلاً من استدامة الأزمات. والندية المزعومة التي تحدث عنها الوزير عراقجي لا تعني امتلاك القدرة على الردع فحسب، بل تعني أيضاً القدرة على ضبط الردع. من هنا، تبدو الإشكالية في الانتقال من الردع إلى المغامرة. فالتلويح بالقوة، وتوسيع مساحة الرسائل العسكرية عبر أذرع طهران الإقليمية، واستخدام الجغرافيا البحرية بوصفها ورقة ضغط، قد تمنح طهران مكاسب تفاوضية قصيرة الأجل. لكنها، في المقابل، ترفع احتمالات خطأ سوء التقدير التكتيكي عاجلاً، والاستراتيجي لاحقاً، فيما يُعدّ تآكل هوامش المناورة الإيرانية القائمة دليلاً بليغاً على ما تقدم. وعطفاً على ما تقدم، يمكن قياس انفصال القيادة في الجمهورية الإسلامية عن الواقع، أي غياب الحس الأخلاقي والاستراتيجي.

فطهران تُرجع مصدر كل الأزمات إلى خصمٍ أو خصوم، وتزدري كل ما تمثله الدبلوماسية من دور في إدارة الأزمات. بل إن المؤسسة الأمنية في الجمهورية الإسلامية تقوم بتخوين أي طرف سياسي يدعو إلى مساءلة النفس أو المحاسبة. وكان عراقجي أحد تلك الشخصيات التي اتُّهمت بالخيانة على خلفية مقابلة أجراها مع وسيلة إعلامية إيرانية.

إن اختبار نضج الندية السياسية لا يكمن في مستوى التهديد المتبادل، بل في قدرة الأطراف على إدارة التوترات ومنع الأزمات. وإذا كانت طهران تطالب بأن تُعامل بوصفها قوة ندّاً، فإن معيار ذلك هو سلوك القوة المسؤولة لا غطرسة القوة، وقبول المساءلة، لا اعتماد حافة الهاوية منهجاً سياسياً.