يُجيد النظام الحاكم في إيران توظيف شعارات السلام والحوار والقانون الدولي عندما يحتاج إلى حماية نفسه من خطر يحدق به من الخارج، أو قد يأتيه من الداخل على شكل غضب شعبي، لكنه لا يتعامل مع هذه المبادئ بوصفها قواعد ثابتة تحكم سلوكه عندما يتعامل مع محيطه العربي أو شعبه الذي يتطلع للحرية، بل مجرد أدوات سياسية يوظفها حين يشعر بالخطر، ثم يتخلى عنها عندما يتلاشى الضغط عليه.

هذا النظام الثيوقراطي لا يستطيع الاستمرار أو تبرير سلطته أمام شعبه من دون عدو دائم وأزمة مستمرة؛ فمنذ 47 عاماً، تحوّل العداء للولايات المتحدة إلى جزء أساسي من شرعية الحكم وخطابه السياسي.

ولم يعد ذلك مجرد خلاف سياسي عابر بين دولتين، بل أصبحت القضية بمثابة وصفة جاهزة لتفسير الفشل الاقتصادي بحجة العقوبات وتبرير تراجع الخدمات العامة، وتشديد القبضة الأمنية، وإسكات كل من يطالب بإقامة دولة طبيعية تستثمر ثرواتها في حياة مواطنيها بدلاً من استنزافها في مشاريع أيديولوجية وعسكرية.

ورغم أن إيران دولة غنية بمختلف الموارد الطبيعية والطاقات البشرية مع شعب يناهز تعداده 93 مليون نسمة، فإن الإيرانيين دفعوا طوال عقود ثمن خيارات لم يشاركوا في صياغتها إطلاقاً.

لقد عاش الإيرانيون تحت العزلة والعقوبات الدولية والتضخم الاقتصادي والقيود السياسية والاجتماعية، بينما استمر النظام في تقديم نفسه كضحية دائمة لمؤامرة خارجية، متجاهلاً مسؤولياته المباشرة عن السياسات التي قادت البلاد إلى هذا الوضع المزري.

وفي الوقت ذاته، اعتمد النظام على دعم جهات فاعلة من غير الدول، وأغدق عليها المال والسلاح، حتى تحولت بعض هذه الجماعات إلى سلطات موازية وجيوش مستقلة داخل دولها.

وعوضاً عن العمل وفق الشرعية الدولية من خلال الاستثمار في دعم الحكومات المعترف فيها دولياً كما تفعل دول الخليج مع أشقائها العرب، زرعت إيران تنظيمات مسلحة لا تخضع لسلطة الدولة، وتعمل في كثير من الأحيان وفق أجندات ترتبط مباشرة بطهران، مما جعلها بمثابة خط دفاع متقدم في عملياتها التي وفرت للبلاد سياسة الإنكار المعقول لعقود، واستمر ذلك حتى السابع من أكتوبر 2023.

لكن اجتياح حماس لجنوب إسرائيل وما تبعه من تداعيات على المنطقة برمتها كشفت سياسة الدفاع المتقدم لطهران، وجعلها ساحة حرب طالما حاولت الابتعاد عنها، مما جعلها تكشف وجهها القبيح بالاعتداء على دول الخليج العربي في مشهد كان مبيتاً منذ عقود.

وتأتي هذه السياسات امتداداً مباشراً لمبدأ «تصدير الثورة»، الذي جعل استقرار الدول المجاورة تهديداً للمشروع الإيراني، وجعل الفوضى وسيلة لتعزيز النفوذ.

ولذلك، فإن الحديث عن أي اتفاق أمريكي محتمل مع طهران من دون معالجة بنية هذا المشروع الأيديولوجي، لا يعني صناعة سلام مستدام في المنطقة، بل هو إعادة حتمية للأزمة وتأجيل انفجارها المقبل.

إن أي صفقة تمنح النظام شرعية سياسية جديدة، وتفتح أمامه أبواب الأموال المجمدة، وتخفف عنه الضغوط الاقتصادية، بينما تُبقي بنيته الأيديولوجية والأمنية والعسكرية كما هي دون تغيير، ستكون بمثابة إنقاذ له دون تغيير لسلوكه.

وقد أثبتت التجارب أن الأموال التي يحصل عليها النظام لا تنعكس بالضرورة على حياة الإيرانيين أو مستوى الخدمات العامة، بل قد تذهب إلى توسيع القدرات العسكرية وتمويل الوكلاء والمليشيات وإعادة بناء أدوات النفوذ الإقليمي من جديد.

في المقابل، فإن خروج الولايات المتحدة من الحرب من دون تحقيق أهداف واضحة قد لا يعيد الهدوء للمنطقة، بل يمنح النظام فرصة لإعادة ترتيب صفوفه وزيادة توحشه في الداخل والخارج.

فدول الخليج العربي التي لم تكن طرفاً في هذه الحرب - بل كانت داعمة لمسارات السلام والحوار - وصلت إليها الصواريخ والطائرات المسيرة الانتحارية قبل أن تصل إلى تل أبيب، التي هي من قتلت المرشد الأعلى، وهو ما يكشف طبيعة العقيدة التي تحكم سلوك هذا النظام: الهروب الدائم من الضغط المباشر عبر توسيع دائرة الصراع واستهداف أطراف غير ذات علاقة.

إن الدخول في جولات من الضربات الأمريكية، ثم تجميد المواجهة من خلال صفقة مؤقتة لشراء الهدوء، ثم العودة إلى التصعيد مجدداً ستكون بمثابة حلقة مفرغة تُرهق المنطقة، وتستنزف اقتصاداتها وتنميتها، وتهدد أمن واستقرار شعوبها دون حل لهذه الأزمة من الجذور.