أحياناً يكون توقيت الزيارة هو في حد ذاته رسالة بليغة، وهذا ما رأيناه خلال الزيارة الأخيرة التي قام بها جلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه إلى جمهورية مصر الشقيقة ومخرجات لقائه بفخامة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي فهي لم تكن زيارة برتوكولية في سجل العلاقات الثنائية، بل هي في حد ذاتها قمة بحرينية مصرية تعكس التكامل الاستراتيجي التام بين البلدين فيما يخص طبيعة المرحلة التي تمر بها المنطقة العربية ككل .
فالمشهد الأمني والعسكري في المنطقة يبدو معقداً للغاية، وأصبحت التحديات الإقليمية تتقاطع مع التحولات الدولية؛ مما يعجل بأهمية التنسيق الأمني والعسكري بين الدول العربية، ويجعله ضرورة قصوى قبل أن يكون مجرد خيار استراتيجي أو مظهر من مظاهر الدبلوماسية، والعلاقات البحرينية المصرية بالعموم منذ عقود طويلة لم تكن يوماً علاقات موسمية تفرضها الظروف وتتلاقى فيها المصالح إنما شراكة حقيقية ومن أكثر العلاقات الخليجية العربية رسوخاً واستقراراً ونجاحاً حيث تقوم على تاريخ كبير من الثقة المتبادلة والاحترام ووحدة المصير والرؤى تجاه قضايا الأمن العربي، كما أن هذه العلاقة تعد مرتكزاً لثوابت العمل العربي المشترك.
فاللقاء الذي جمع سيدي جلالة الملك المعظم مع الرئيس المصري السيسي يعد بمثابة إعلان أن أمن المنامة يبدأ من القاهرة وأمن القاهرة يبدأ من المنامة بالأخص عندما أدان الرئيس المصري الاعتداءات الإيرانية الآثمة على مملكة البحرين؛ مما يشير إلى أن العمل العربي المشترك لم يفقد بوصلته، رغم تعقيدات المشهد، وأن الدول الخليجية والعربية تتحرك نحو تنسيق مواقفها بما يخدم أمن المنطقة، وأن هذا هو الخيار الأكثر واقعية في مواجهة الأزمات، ومن الواضح كذلك للمتابع لتصريحات الرئيس المصري السابقة حينما أكد أن أمن دول الخليج العربي جزء من أمن مصر القومي أن السياسة المصرية تحمل فلسفة تقوم على مبدأ راسخ وثابت أن أمن الخليج ومصر يشكلان وجهين لعملة واحدة، ويشكلان منظومة واحدة، وأن كلاهما يسيران على سكة سياسية واحدة وإن اختلفت الجغرافيا بينهم، وفي المقابل تأكيد جلالة الملك المعظم تضامن مملكة البحرين الكامل مع مصر ودعمها لكل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها واستقرارها يؤكد أن العلاقة بين البحرين ومصر تقوم على مبدأ الأمن المتبادل والدعم المستمر.
كما أن زيارة جلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه وأحاديثه مع الرئيس المصري السيسي لم تقتصر على استحضار الروابط التاريخية والأخوية ولا حتى التركيز على الأوضاع السياسية فحسب بل انتقلت إلى مفاهيم أكثر عمقاً مثل تعزيز الشراكات الاقتصادية والاستثمار والتعاون التجاري والتشاور الاستراتيجي، وهذا يرمز إلى أن العلاقات البحرينية المصرية قد بدأت تأخذ وجهاً آخر لا يقوم فقط على التقارب السياسي إنما بإدراك أن الأمن والتنمية والاقتصاد أصبحت ملفات متداخلة، وأن الاقتصاد هو الوجه الجديد للسياسة ولغة الدبلوماسية الحديثة فاستقرار الاقتصاد هو ما يدفع إلى الاستقرار الأمني والعكس صحيح فالأمن لا يستقر إلا وفق اقتصاد قوي، وهذا يعكس مدرسة سياسية جديدة تتبناها كلاً من البحرين ومصر أن الاقتصاد هو العمود الفقري لصناعة النفوذ والاستقرار وترسيخ الأمن وتحقيق تطلعات الشعوب.
اللافت في هذه الزيارة كذلك أن جلالته ورغم مختلف التحديات والظروف التي واجهتها مملكة البحرين ودول الخليج أجمع جراء الاعتداءات الإيرانية الآثمة وتعدد الملفات الإقليمية الطارئة في الساحة، إلا أنه أوصل رسالة قومية بليغة بالتشديد على تمسك مملكة البحرين بثوابتها القومية في أهمية حل ملف القضية الفلسطينية ووقف الحرب على غزة وضمان وصول المساعدات الإنسانية ودعم جهود إعادة الإعمار وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس حيث أكد جلالته موقف مملكة البحرين الداعم إلى إيجاد حل سياسي شامل يضمن الاستقرار للشعب الفلسطيني ولجميع شعوب المنطقة، وهذه الزيارة التاريخية في هذا الوقت الحساس من الممكن عنونتها بالبحرين ومصر وعهد جديد من تجديد الثقة المتبادلة، وأن الإرادة السياسية البحرينية تتجه دائماً نحو إحلال السلام وبناء شراكات استراتيجية تدعم العمل العربي المشترك، وأن تحركات قادة الخليج والدول العربية لا تقوم بناء على ردود فعل لحظية إنما على تعزيز المزيد من الشراكات التي توحد الصفوف العربية، وأن الأمن العربي حلقة مترابطة وأي ضرر في أي حلقة من هذه السلسلة يخل ببقية الدول وأمن الدول الخليجية والعربية ليست ملفات منفصلة، بل جميعها مترابطة وإذا اهتز جزء منها تأثرت الصورة بالكامل .