كلما تقدمت بنا أعمارنا، ازددنا نضجاً وخبرة وحكمة، واكتشفنا أن مقومات النجاح والتميز ليست دائماً في الوصول كما يراها البعض، وليست دائماً في تحقيق مراتب الدنيا، وإنما هي في بعض الصور المخفية عن الآخرين، والتي تتعمق في داخل وجداننا وأحاسيسنا، وتسري روحها في شراييننا. في كل صورة تمر علينا مع أنفاس كل يوم جديد، تتجدد بعض المعاني، ونشتاق للاسترسال مجدداً في بعض الذكريات، بل لا نجد بداً من أن نتذوق مشاعر «الأثر الجميل» الذي اعتدنا أن نتحدث عنه. نتحدث مع أنفسنا، ونذكر الآخرين، ولربما احتجنا إلى أن نكون داخل نفوسنا مرات ومرات، نراجع ومضات الأثر في صورنا القادمة، ونكون أكثر إيجابية كما اعتدنا، ونضع حداً للترسبات الواهية!
إنه من الصواب دائماً أن نقول إننا نجحنا في الأثر الذي بقي فينا إزاء كل صورة مرت علينا، فقد علّمتنا الحياة أن التميز الحقيقي يكمن في الأثر الذي نتركه، والبصمة التي بقيت في كل صورة من صور حياتنا، وفي راحة الضمير، وفيمن استمر معنا في خطوات المسير. إنما التميز في استمرار قيمة الأثر بالعطاء الدائم، والسعي للوصول إلى كل مساحات الحياة، وتجديد ملامح الصور التي نتواجد فيها، حتى لا تكون أيامنا متشابهة، «فمن استوى يوماه فهو مغبون»، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. وليس التميز وراحة البال، كما يعتقد البعض، بالتصفيق والتكريم والوصول إلى المناصب، فهي، والله، كلمات رنانة زائلة، إن اعتدنا عليها، فقد يلازمنا الإحباط، ونشر السلبية، والبقاء في مهاوي «المظلومية»، والانزواء إلى زوايا النسيان والفكر التقليدي الأعمى!
كلما تقدمت بنا الأعمار، اكتشفنا أن بعض الذين مروا في صور حياتنا لم يرحلوا بعد، وأن العديد من الجوانب المخفية التي لم يرها الآخرون كانت هي الأجمل في دفء مشاعرنا، في محطات مضت، ومحطات نعيشها، ومحطات ستأتي إن كان في العمر بقية. اكتشفنا أننا أسرفنا في تأنيب ضمائرنا على بعض التأخيرات التي حدثت، ثم كان قدر الله تعالى أن علّمنا أنها رحمة من عنده، اهتدينا بها في مسيرنا، وتعلّمنا معاني الصبر في كل الخطوات. اكتشفنا أن هناك بعض الانتصارات التي جاءت لحكمة من الله عز وجل، فتحولت إلى انتصارات من أجل رضاه سبحانه وتعالى، فلم تكن لأنفسنا أبدًا، ووجدنا أنفسنا قد فزنا في بعض الصور التي جاهدنا فيها نفوسنا على ألّا نخوض صداماتها المزعجة، فكانت النتيجة الأجمل أن حققنا انتصاراً جميلاً لذواتنا، وأحسسنا براحة البال، وضمير متقد، وقلب خالٍ من الشوائب الدنيوية، يحب، ويتغافل، ويسامح، ويتجاوز، صافٍ كالزلال، تتلألأ بين ثناياه صور سجايا الخير، ويشتاق للحب الأسمى، حب الله الكريم ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويحب أن يكون دائماً بقرب محبيه: أسرته، وزوجه، وذريته، وإخوانه، وأخواته، وأهله، وجميع محبيه، فلا يرضى يوماً أن يبتعد عن تلك القلوب التي أحبته بصدق، وقاومت تغييرات الحياة لتكون وفية له، وتتواصل معه لتخبره أنها على العهد معه، ما دامت الأنفاس تتلذذ بمعاني العافية في هذه الحياة.
نتحدث عن أفراد يمرون في حياتنا، ولربما لا نراهم كثيراً، ولكنهم تركوا في نفوسنا أعمق الأثر، ولربما عاش البعض منهم سنين يلازمنا بالخير، وما زال أثره بائنًا في كل صورة من صور حياتنا. ففي كلتا الصورتين، أطالت صورهم البقاء في وجداننا، فهم يرسلون رسائل خير وحب في كل مقام، حاضر أو ماضٍ أو مستقبل، ولو كان شخصًا بسيطًا يتعامل معك كل يوم. كمثل الأبوين، أثرهما باقٍ ولو مرت السنين، فلم يرحلا قط من نفوسنا. وكلما اجتمعنا مع الإخوة والأخوات، نتذاكر جميل الأيام، وصنيع الماضي، وأثر الأبوين، اللذين صنعا معاً عائلة ممتدة، تتواصل براً بهما، وتتبادل الخير والمحبة بين كل أفرادها، صغيراً أو كبيراً.
لا بد أن نعلّم أنفسنا، ونحاكي ذواتنا بأن هناك العديد من الأشياء التي لا يراها أحد سوى المولى الكريم، وهي تتطلب تجديد النيات وإخلاص الأعمال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. أشياء لن تجد أمامك أحداً يصفق لها، أو يتحدث عنها، إلا بعض الأفراد الذين خصصت لهم هذا الأثر، ولربما رفعوا أيديهم إلى السماء، ودعوا لك بدعوة في ظهر الغيب، أو تركوا كلمة ثناء: «جزاك الله خيراً»، بقيت خالدة في ذهنك. بكلمة طيبة، أو بساعة خير علّمت فيها الآخرين علماً انتفع به، أو بنصيحة وفكرة آمنت بها في ميادين الخير، زرعتها في قلوب من تحب، أو حتى بدعوات دعوت بها في ظهر الغيب لأحباب لك، أو لمرضى، أو للمسلمين كافة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «من استغفر للمؤمنين والمؤمنات، كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة».
اكتشفنا مع انقضاء الأيام أن أقدارنا لا تعمل وفق ما نهوى، فهي أقدار مقدرة من المولى الكريم، يسير بعضها في صور الفرح والسرور، وبعضها في صور الحزن والألم. فالأيام لا تسير متشابهة، والظروف لا تأتي على ما نريد، فهناك من الأقدار ما يهيئ المرء لصورة فرح أو تحقيق حلم، أو حزن، أو فقد، لذا فهي رسالة من المولى الكريم لتربية ذواتنا، وتقوية إيماننا، وتعميق مفهوم القضاء والقدر في نفوسنا.
الذي يبقى بعدنا هو التغيير الحقيقي الذي أحدثناه فيمن حولنا، بعد أن عشنا في ذوات نفوسنا، نتلذذ بصور الخير؛ التغيير الذي لا نرضى أن يكون صغيراً، ولا نرضى أن يكون لحظياً، بل في صور متعددة في كل يوم نعيشه، وفي مواقف كثيرة نخط كلمات الخير فيها، إن اعترض البعض طريقنا، وإن قاومنا البعض بسلبيته المعتادة. ولكن صاحب الخير والأثر والقلب الطيب لا يتغير أبداً، فهو باقٍ على العهد، يذكر ويجدد التذكير بأنه لا يهمه أبداً إرضاء البشر، فكل موقف وكل صورة يبقيها في ميزان الخير، وفي ميزان رضا المولى الكريم.
ومضة أمل
اللهم اجعل حياتنا كلها خالصة لوجهك الكريم، واصرف عنا كل سوء.