اختتمت العاصمة الصينية بكين في 26 أغسطس الجاري الدورة الثانية من الألعاب العالمية للروبوتات الشبيهة بالبشر، التي امتدت خمسة أيام، وجمعت بين المنافسة الرياضية والاختبارات الصناعية والخدمية. وقبيل إسدال الستار عليها، قطع الروبوت الصيني «تيانغونغ ألترا» مسافة 100 متر في 8.86 ثوانٍ خلال نصف نهائي فئة الروبوتات الكبيرة؛ مسجلاً زمناً يقل رقمياً عن الرقم القياسي العالمي للرجال البالغ 9.58 ثوانٍ، من دون أن يعني ذلك تحطيماً رسمياً له، لاختلاف قواعد المسابقتين وظروفهما.
لكن الروبوت، بعد عبوره خط النهاية، لم يتوقف بانسيابية، بل اصطدم بحاجز إسفنجي وانهار، وظهر اشتعال محدود في منطقة الجذع، فيما تفكك روبوت آخر أثناء السباق في نصف النهائي الآخر. وهكذا قدّم السباق مفارقته الأبلغ: آلة عرفت كيف تصل أسرع من الإنسان، لكنها لم تعرف بعد كيف تدير اللحظة التالية للوصول. فما قيمة السرعة إذا لم تقترن بالسيطرة والأمان؟
ولا يمكن، مع ذلك، التقليل من حجم الإنجاز. ففي الدورة الأولى عام 2025، احتاج «تيانغونغ ألترا» إلى 21.50 ثانية لقطع المسافة نفسها، قبل أن ينخفض الزمن خلال عام واحد إلى 8.86 ثوانٍ؛ أي بانخفاض نسبته نحو 58.8%. وهذه قفزة في قوة المحركات، واتزان الحركة، ومعالجة بيانات المستشعرات، والتنسيق بين المفاصل في أجزاء من الثانية.
كما كشفت دورة 2026 عن اتساع التجربة؛ إذ جمعت 2,056 روبوت ضمن 666 فريقاً من 16 دولة، في 51 مسابقة، توزعت بين 30 مسابقة تنافسية و21 قائمة على سيناريوهات تطبيقية، بإجمالي 1,301 جولة. ولم تقتصر الاختبارات على الجري والقفز، بل شملت سيناريوهات تحاكي العمل في المصانع والخدمات اللوجستية والضيافة والمنازل، مع اعتماد الملاحة الذاتية بدل التحكم اليدوي في غالبية المسابقات.
هنا تتغير زاوية النظر؛ فالروبوت الأسرع ليس بالضرورة الأذكى، والأذكى ليس بالضرورة الأكثر أماناً. والنجاح داخل مضمار مستقيم لا يثبت وحده القدرة على العمل في مستشفى أو مدرسة أو مصنع مزدحم، حيث تتحرك الأشياء والأشخاص وتتبدل الظروف. في تلك البيئات لا يكفي إنجاز المهمة؛ بل يجب إدراك الخطر، والتوقف في الوقت المناسب، والتصرف بأمان أمام ما لم يُهيأ له النظام مسبقاً.
من هنا نحتاج إلى ما يمكن تسميته «اختبار ما بعد خط النهاية». فإلى جانب زمن الإنجاز، ينبغي قياس مسافة التوقف، ومعدلات السقوط والاصطدام، ونسبة النجاح عبر محاولات متكررة، ومستوى التدخل البشري، واستهلاك الطاقة، والاستجابة الآمنة لتعطل المستشعرات، مع سجل رقمي يتيح تتبع القرارات والحوادث وتحديد المسؤولية بين الجهة المصنّعة والمطوّر والمشغّل. فالجاهزية لا تُقاس بأفضل محاولة، بل بثبات الأداء تحت ظروف متغيرة وبأقل مستوى من المخاطر. وقد قدمت الدورة نفسها دليلاً عملياً على ذلك؛ إذ ألغت اللجنة المنظمة في يومها الختامي نتيجة أحد الفرق في مهمة «التجميع والتغذية» الصناعية، بعدما أخفق في إعادة تنفيذها بالمستوى المطلوب خلال المراجعة اللاحقة. فالنجاح الحقيقي ليس لقطة عابرة، وإنما أداء يمكن التحقق منه وتكراره.
واللافت أن الصين أطلقت في مارس 2026 أول منظومة وطنية شاملة لمعايير الروبوتات الشبيهة بالبشر والذكاء المتجسد، تتضمن السلامة والأخلاقيات. ولذلك، فالتحدي ليس غياب الحوكمة، بل تحويلها إلى اختبارات قابلة للقياس، وشهادات مستقلة، ومتطلبات واضحة قبل انتقال الروبوتات من ساحات المنافسة إلى مواقع العمل والحياة اليومية.
ما حدث في بكين ليس إخفاقاً تقنياً، ولا شهادة جاهزية مكتملة؛ بل إنجاز هندسي كبير كشف حدوده بنفسه. وفي قراءتي لهذا المشهد، لا تكمن قيمته الأهم في إثبات قدرة الروبوت على تجاوز الإنسان في السرعة فحسب، بل في كشف المسافة التي ما تزال تفصل بين القدرة التقنية والنضج الآمن والمسؤول. لقد عبر الروبوت خط النهاية أسرع من الإنسان، لكنه لم يعبر بعد خط الثقة.