بعض الأخبار لا تكتفي بأن تخبرك بما حدث؛ تفتح باباً قديماً في الذاكرة. وحين وصلني خبر رحيل الوجيه غلام رضا حسين نامليتي، زوج خالتي، لم يكن الخبر مجرد سطر على شاشة الهاتف؛ فقد أعاد إليّ أصواتاً أعرفها: قالب ثلج يُسحب من الماء المتجمّد، وصرير الحديد، وضجيج آلات المصنع. وفي لحظة، عدت إلى صيف الحورة.
أنا ابن المحرق، من فريج البنعلي، لكن جزءاً من طفولتي بقي في الحورة، وتحديداً في فريج الذواودة. كنا نذهب إلى بيت خالتي، ثم نختفي في الدواعيس بين «الخشيشة» والتيلة وألعاب الفريج التي كانت تبدأ باتفاق صغير، وتنتهي بركض الحي كله! ولا أدري إن كان أطفال اليوم يعرفون بعضها، أم أنها تحتاج إلى نسخة إلكترونية وتحديث وشروط استخدام!
وكان مصنع النامليتي للثلج من أكثر مشاهد طفولتي رسوخاً. كنا نراقب القوالب الضخمة، وهي تُرفع من الماء المتجمّد، وتُنقل إلى غرفة التبريد، ونتسلل إليها أحياناً؛ برد قارس وضباب يجعلنا نشعر أننا انتقلنا من صيف البحرين إلى قارة أخرى. بعدها تُزلق القوالب، ويشدها العمال بخطاف حديدي عبر فتحة صغيرة إلى الخارج؛ بعضها يُكسّر ويُعبأ، وبعضها يذهب كاملاً إلى الزبون. أما نحن، فكانت غنيمتنا قطع الثلج المتناثرة، نمضغها بعد الركض وكأنها ألذ ما اخترعه الصيف.
ولم يكن الثلج وحده صاحب الحكاية. فبجانب المصنع كانت حوطة تضم بقايا آلات النامليت القديمة. والنامليت، الذي ارتبط اسمه باسم العائلة حتى صار جزءاً من حكايتها، هو ذلك المشروب الغازي الذي عرفته البحرين قديماً، قبل أن تملأ العلامات العالمية ثلاجات البقالات. وتميّزت قواريره بكرة زجاجية صغيرة «تيلة» تُحكم إغلاقها، ثم تهبط إلى موضعها في عنق الزجاجة عند فتحها. كنا نصعد فوق بعض تلك الآلات ونلعب، من غير أن ندرك أننا نعبث بقطعة من تاريخ صناعة محلية، ولا أن اجتماع الثلج والنامليت لم يكن مصادفة: مشروب يحتاج إلى البرودة، وثلج يعرف طريقه إلى الناس.
وفي الفريج نفسه، بقي مكتب مؤسسة النامليتي حاضراً بصورة مختلفة. هناك كنا نرى غلام رضا؛ كان وجهاً مألوفاً من وجوه ذلك المكان، ورجلاً ارتبط اسمه بالمصنع والحورة لعقود. ونسمع من حولنا أحاديث التجارة والحساب وتوجيهات العمل. لم نفهم لغة الكبار يومها، لكن الطفل يحفظ النبرة قبل المعنى، ثم يكتشف بعد عقود أن بعض ما سمعه وهو يلعب كان درساً مبكراً في العمل والانضباط.
وعلى مقربة كان الخباز ونار فرنه؛ حرارة من جهة، وبرودة من جهة أخرى، وبينهما فريج يعيش يومه ببساطة. وقبل أن نعرف مصطلح «سلسلة التبريد»، كانت العملية كلها تجري أمام أعيننا من دون شاشات أو حساسات: ثلج يصل إلى البيوت والمقاهي والمطاعم والبقالات وتجار السمك؛ ماء وحديد وآلات، وأيدٍ تعرف عملها.
وهنا تكمن المفارقة. فاليوم نبني مراكز بيانات تشغّل أذكى نماذج الذكاء الاصطناعي، ثم نقف أمام الخصم القديم نفسه: الحرارة. تطورت عقول الآلات، لكن معركتنا مع الحر لم تتغير؛ فقط كبر «قالب الثلج» واختفى داخل الأنابيب والمضخات والخوادم.
حين رحل غلام رضا، رحمه الله، شعرت أن شيئاً من الحورة القديمة رحل معه؛ رحل زمنٌ كانت فيه التقنية تُسمع وتُشم وتُلمس، وكان وراءها رجال نعرفهم.
وأنا أكتب، تركت كوب الشاي أمامي حتى برد تماماً. وحين التفت إليه، كان قد أصبح أقرب إلى الشاي المثلج؛ وكأن حكاية الثلج أصرّت أن تترك أثرها حتى في الكوب.
فالذاكرة، ربما، هي التقنية الوحيدة التي تعمل بعد عقود.. بلا شاحن، ولا تحديث.
* خبير تقني