في صيف عام 2021، كانت عدسات العالم كلها متجهة نحو فتاة موجودة في صالة الجمباز بطوكيو، وهي سيمون بايلز، أكثر لاعبة تتويجاً في تاريخ اللعبة. يومها لم يكن أحد يسأل: هل ستفوز؟ بل السؤال كان بكم ذهبية ستعود. لكن حدث ما لم يتوقعه أحد؛ في منتصف نهائي الفرق انسحبت، لم تكن إصابة في القدم ولا في الكتف، بل في مكان لا تراه الكاميرات؛ ألا وهو عقلها. أعلنت ببساطة أن عليها أن تحمي صحتها النفسية قبل أن تحمي ميداليتها، وأن أعظم رياضية في العالم ليست بخير. ذُهل الجمهور، وأظهر بعضهم غضبه، لكن الأهم كان أن الذين كانت أنظارهم متجهة صوبها أدركوا فجأة أن تلك الميداليات اللامعة كانت معلقة على رقبة يعلوها رأس منهك. وما هي إلا ثلاث سنوات فقط، وعادت بايلز في باريس 2024، إلى المنصة وحصدت ثلاث ذهبيات.
هذه ليست قصة نجاح تُروى، ومثلها الكثير الذي لم يتحدث به أحد. نحن نرى ما لدى الآخرين من ميداليات وترقيات وشهادات تقدير على الحائط واسم المؤسسة على الواجهة، ونصفّق للصورة الأخيرة، لكننا لا نرى الفاتورة التي دُفعت في الخفاء. وأغلب الفواتير من هذا النوع عبارة عن ليالٍ لم ينم فيها صاحبها، وأعياد ميلاد فاتت، وصداقات ذبلت لأنه كان «مشغولاً»، وقلق يستيقظ قبل صاحبه كل صباح ويسأله: وماذا بعد؟ ثم تنازلات صغيرة تراكمت حتى صارت جبلاً، ووحدة غريبة يجدها عندما يصل القمة، ليكتشف أن الطريق كان مزدحماً، لكن القمة خالية. نقيس الناس بما يظهر منهم، ونفترض أن من ينجح لابد أنه سعيد، فهو ناجح. بينما النجاح نتيجة نهائية، والحياة تُعاش في التفاصيل التي سبقتها. لذلك، ليس كل نجاح دليلاً على أن صاحبه بخير؛ فأحياناً تكون أوسع ابتسامة في الصورة هي الأكثر تعباً. ليست هذه دعوة إلى التخلي عن الطموح، بل دعوة إلى الصدق؛ فلابد أن نسأل أنفسنا ماذا كلفنا هذا، وأن نسأل الآخرين «كيف حالك حقاً؟» لا أن «نكتفي بـ«مبارك».
الخبر الجميل أن الثمن لم يعد محكوماً عليه بالصمت؛ فالجيل الجديد من الناجحين، من بايلز إلى مايكل فيلبس، الذي تحدّث علناً عمّا عاشه بعد ذهبياته، أثبت أن الكلام عن الكلفة ليس ضعفاً، بل جزء من الإنجاز نفسه. وهناك إنجازات لا يصفّق لها أحد لكنها ما يجعل الاستمرار ممكناً؛ كأن تُقرّر التوقف لتلتقط أنفاسك، وأن تحافظ على صديق، وأن تحضر عشاء العائلة، وأن تنام. فالنجاح الذي يكلّفك نفسك ليس نجاحاً، بل قرض بفائدة باهظة، أما النجاح الذي تصل إليه وأنت كامل فهو الوحيد الذي يستحق الاحتفال.
فحين ترى في المرة القادمة إنساناً يحتفى به، تذكّر أن وراء الضوء فاتورة لا تظهر، وكن لطيفاً معه أكثر مما تظن أنه يحتاج. وحين تكون أنت من يُحتفى به، لا تخفِ الفاتورة عن نفسك؛ اقرأها بهدوء، وقرر ما الذي تستحق أن تدفعه، وما الذي لا تستحق. عادت بايلز إلى القمة لأنها تجرأت على النزول منها مؤقتاً، ولعل هذا هو الإنجاز الذي لا يُسجّل في أي قائمة أرقام، أن نصل، ونبقى أنفسنا.
*عميد كلية القانون - الجامعة الخليجية