في ظل عدد من المناسبات العالمية التي تحتفي بها عادةً الجهات المختلفة، لإحياء بعض القيم المجتمعية، والتي لعلها تكون فرصة قيّمة لتذكير الناس بهذه المعاني، وإعادة الحياة إلى بعض المفاهيم الغائبة عند الناس، ومنها، على سبيل المثال، اليوم الدولي للعمل الخيري، يتبادر إلى الذهن أهمية إبراز معاني العطاء، لتكون أسلوب حياة وثقافة وممارسة يومية لكل الأفراد على اختلاف أعمارهم. وعندما تنتشر ثقافة التساؤل: «ماذا يمكننا أن نقدم؟»، بدلاً من ثقافة الطلب المتكرر، حينها تصبح المجتمعات أكثر نضجًا، والأفراد أكثر عطاءً وهمّةً في عمل الخير. هناك العديد من الأفكار التي يمكن ترجمتها إلى أثر مُشاهد ومستدام في المجتمع، والتي من أهمها معايشة المبادرات الإنسانية، والاندماج المجتمعي في إطار المسؤولية التي ينبغي أن يحملها كل فرد على عاتقه، من أجل المزيد من الإتقان في الأعمال.

وعندما يتحوّل العاملون في مجال العمل الإنساني إلى محطة إثراء في عمل الخير، وإلى الإحساس بقيمة التطوع وتقديم ساعات الخير في كل أيام الحياة، حينها ستشاهد العاملين خلية نحل نشطة في تفريج الكربات، وبث شواهد الخير، وإضفاء لمسات السعادة في حياة الآخرين.

وعلى النقيض، فإن هناك من يتفنن في أن تكون ساعات عمله مجرد ساعات «تأدية واجب» لا غير، فلا تحس لجهده أي قيمة، بل إن البركة تُمحق في خطواته، لسبب بسيط، أن نيته ليست لكسب الأجر وترك الأثر، بل هي مجرد عبث بقيمة الوقت، وكسب لمصادر الرزق اليومية.

هناك من يحرص على أن يكون عطاؤه أسلوباً مميزاً في إنتاجاته، وهذا ما تلمسه من خلال مخرجات عمله، التي لطالما تخرج بإطار خارج عن المألوف، وبأسلوب هادف ومنتج، له أثره على المجتمع. فهو لا يرضى بأن يقدم الشيء السهل المألوف والمكرر، ولا يرضى أن ينتج إنتاجاً باهتاً عقيماً، ولا يرضى أن يمر عليه الوقت المحدد دون أن ينتهي من إنتاج ما طُلب منه. ودائماً ما تراه حريصاً على إيقاع عالٍ من الأداء وطرح الأفكار، والمبادرة في الخير وصنع الأثر. وهذا ما نحتاجه بالفعل من الركائز الأساسية في التطوير وترك أجمل الأثر.

ومع إطلالة عام دراسي جديد، لا بد أن يكون لأسلوب تعليمنا منهج متجدد في الطرح ومواكبة تغيرات الحياة، في ظل التطور المتسارع في الذكاء الاصطناعي. فالطالب اليوم لم يعد يحمل دفاتر وكتباً عادية فحسب، بل يحمل عالماً مفتوحاً واسعاً من المعلومات، وأضحى «الذكاء الاصطناعي» صديقاً حميماً للطلبة، للبحث والتمحيص والاستفادة منه في مختلف المواد الدراسية.

هذا الطرح يعطي المدرسين تحدياً كبيراً في تقديم الجديد للطلبة، خلافاً للأسلوب القديم الذي نشأنا عليه في مدارسنا. وفي المقابل، يجب أن نعزز قيمة «الإنسان» كإنسان، فمهما انفتحنا على الثورة المعلوماتية المتسارعة، يبقى عقل الإنسان ومشاعره وأحاسيسه، والحب والحنان والعطف والرحمة والتكاتف والمسؤولية والتطوع والإنسانية، هي القيم الأسمى التي يجب أن نحافظ عليها، والتي يجب ألا تتأثر بحجم التطورات المتسارعة في المجتمعات.

وكلها معانٍ نابعة من صور العطاء المتجددة، وهي الثقافة التي يجب أن نعززها في شخصيات أبنائنا، لنؤكد من خلالها أهمية أن يكون للطالب تحدٍّ من نوع آخر في البيئات المدرسية، قائم على ساعات التطوع التي يقضيها في العطاء، وأن تكون داخل مدارسنا منابر للتطوع والإحسان والعطاء، يستطيع الطالب من خلالها أن يمارس العطاء «ميدانياً»، دون الحاجة إلى المزيد من الدروس الوعظية. العطاء يجب أن يوظف من خلال معلمينا ومناهجنا في صورة عملية، يمكن أن تُؤدى داخل المدارس، ويمكن أن يكون لها منصات أخرى مُنتجة.

وفي هذا السياق، كنت أتحدث مع بعض الزملاء عن أثر العمل في بعض المنصات الإنسانية، وإدارة بعض المشاريع والمبادرات المجتمعية، وأوصلت لهم رسالة نضجت عبر سنوات مرت من عمري، وقناعة أساسية بأن النجاح أن تُولد كفاءات تعرف السبيل الصحيح لإنتاج مخرجات حقيقية وواقعية للنجاح، بعقول تفهم كيف تعمل بأسس الفريق التعاوني، وكيف تتألق وتوظف طاقتها وجهدها في زمن السرعة، الذي يجب أن نتعلم فيه ثقافة الصبر، وثقافة عدم التسويف، والإنتاج المبني على استثمار اللحظة تلو الأخرى.

أخبرتهم أنه من الصعوبة أحياناً أن ينجح العمل بأشخاص معينين، وإن وجدت الأفكار المعينة على النجاح؛ لأن الأفكار لا تصعد سُلّم النجاح والتميز، إلا إذا بُنيت على أصول واضحة، وحملها على عاتقهم أفراد منتجون، مخلصون، متحابون ومتآلفون، يفهم بعضهم بعضاً، ويتعاونون على الخير. ونجاح شخص واحد منهم هو نجاح الجميع؛ لأن الغاية واحدة، والمخرجات النهائية هي الصورة المشرّفة التي يتمناها الجميع.

القناعة التي يجب أن نفقهها، ونربي من خلالها أجيالنا وأبناءنا، هي أن الهمّة هي التي تصنع المستحيل، وأن اختيار الكفاءات إنما يُبنى على المهارات وسجايا النفوس، وليس على طبيعة الشهادات. فإن الاختيار المحكم لنوعية المنتجين في مصانع الأثر، لا يقوم على مبادئ «إتاحة الفرصة»، أو أحياناً على «جبر الخواطر من أجل الخواطر»، فذلك لعمري تشتيت للجهود، وقتل للأوقات، وإهدار واضح لمعاني الإنجاز والنجاح.

كثيراً ما أتأمل حالنا، وأتمنى أن تحظى أيامنا ببركة العطاء، وألا تكون أيامنا وجلساتنا وأعمالنا مجرد مشاهد تذهب بلا أثر مرجو.. في حياة أشبه ما تكون بحلم، سينقضي يوماً ما، وتبقى بعض صورها شاهدة على صاحبها؛ إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، والعياذ بالله. كم أتمنى ألا تبقى ساحات أعمالنا الإنسانية مجرد عبث بالوقت، بل أن تكون شاهدة لنا على أعمالنا يوم القيامة، بالخير والإنتاج المستدام وطيب الأثر. كم أتمنى ألا تُهدر أوقاتنا في المزيد من البحث والنقاش على مائدة الاجتماعات الطويلة، وفي نهاية المطاف لا أثر مرجو، ولا منتج جديد يمكن أن يفيد المجتمع. الحياة المتسارعة اليوم علّمتنا ألا نمكث كثيراً على صخور «التعقيدات المملة»، بل أن نحوّل الفكرة حالاً إلى عمل ذي أثر ومستدام.. بأن نكون عمليين في حياتنا، لا فلسفيين، ولا متذمرين من الحياة.

ومضة أمل

رسائل من القرآن: «حياة حافلة: علم، وظيفة، وزوجة، وأولاد، وجمع مال. ثم ماذا؟ ثم يهيلون علينا التراب، ويمضون.. وتبدأ الرحلة: إمّا إلى الجنة، وإمّا إلى النار! الدنيا ليست إلا دابة للعبور نحو الآخرة، فاختر دابتك!».