مع بداية العام الدراسي الجديد 2026–2027، لا تبدأ مملكة البحرين عاماً دراسياً جديداً فحسب، وإنّما تُواصل إضافة صفحات جديدة إلى مسيرة طويلة من الاستثمار في التّعليم، باعتباره أحد أهم رَوافد بِناء الإنسان والتّنمية الوطنية.
فالتّعليم في البحرين لم يعد مفهوماً محصوراً في المدرسة والكتاب والمُعلّم، بل أصبح مَنظومة متكاملة تتقاطع فيها جودة المُخرجات، والتّحول الرّقمي، والابتكار، والمَهارات المُستقبلية، والذّكاء الاصطِناعي، والشَّراكة المجتمعية، وصولًا إلى بناء شخصية الطَّالِب وإعداده للحياة وسوق العمل.
ضمن هذا التّوجّه، قدَّمت وزارة التّربية والتّعليم، خلال العام 2026، نموذجاً واضحاً لهذا المسار المُتواصِل، فمن أبرز المستجدات إطلاق مقرر «Gaming 100» ضمن المناهج التّعليمية، بما ينقل موضوع الألعاب الرّقمية من مجرد مُمارسة ترفيهية إلى مجال معرفي وتَعليمي، وفي هذا الصّدد، أكدت وزارة التّربية والتّعليم أن المقرر يستهدف تنمية المهارات الرّقمية والإبداعية لدى الطَّلبة وفتح آفاقهم أمام مجالات التّقنية والابتكار وصناعة الألعاب الرّقمية.
كما شهد عام 2026 خطوة أخرى مهمة، اتَّخذتها وزارة التّربية، تمثّلت في توقيع مذكّرة تفاهم مع منظّمة البكالوريا الدّولية لإدخال برنامج البكالوريا الدّولية في المدارس الحكومية، بدءاً من العام الدراسي 2026–2027، في تجربة تبدأ بالمرحلة الإعدادية من خلال برنامج السّنوات المتوسّطة.
وكذلك جاءت مشاركة وزيرالتّربية والتّعليم، الدكتور محمد بن مبارك جمعة، خلال شهر سبتمبر 2026 في أسبوع اليونسكو الرّقمي، مقدماً ورقة حول دَمج التّكنولوجيا والذّكاء الاصطناعي في التّعليم، لتُأكِّد على أهمية الموازنة بين التَّقنية والطّابَع الإنساني للعملية التّعليمية.
وهنا تحديداً تَبرز المفارقة الفريدة من نوعها، في بداية هذا العام الدّراسي، فبالإضافة إلى مختلف أشكال الإنجازات، التي حقّقتها وزارة التّربية، ذات العلاقة بالتكنولوجيا والذّكاء الاصطناعي والألعاب الرّقمية والمسارات التّعليمية الحديثة، جاءت صُورة أخرى نادرة من التَّميز، صُورة لا تحتاج إلى شاشة ولا تطبيق ولا منصة رقمية، صُورة لمشهد غير مَسبوق، وزير التّربية والتّعليم الدكتور محمد بن مبارك جمعة يجلس في حافلة مدرسية بين الطَّلبة، يرافقهم إلى المدرسة، في أول أيام السَّنة الدراسية.
ففي تجربة وثقتها وسائل الإعلام في بداية انطلاق السنة الدراسية الجارية، قام وزير التّربية والتّعليم بالانضمام إلى رحلة صباحية بالحافلة المدرسية منذ انطلاقها الساعة الخامسة صباحاً، فكان أول من استقلها ليستقبل كل روادها من الطَّلبة، ويُقدِّم لهم هذه المفاجأة، المُعرِبة على مدى الاهتمام والاقتراب والمتابعة عن كَثَب، والداَّعمة للمعنويات بشكل شخصي ومُباشر، والمُحفّزة لسنة دراسية نابضة بِرَفع الرُّوح المعنوية، وتوازن الجوانب الإنسانية مع المتطلّبات التّعليمية.
حيث تحدّث إليهم خلال الرحلة، وكذلك تنقل بين المقاعد، وسألهم عن إجراءات السلامة، ومن بينها معرفتهم بمخرج الطوارئ وكيفية الخروج منه، وحين وصول الحافلة إلى المدرسة، وقف بالقرب من بابِها ليودّع الطّلبة عند نُزولِهم متمنياً لهم التّوفيق.
وكان الوزير قد أشار إلى أنّ هذه المقاعد ليست غريبة عنه، فهو نفسه جلس على مقعد الحافلة المدرسية قبل نحو ثلاثين عاماً، لكنه عاد إليها اليوم من موقع مختلف، من موقع المسؤول الذي يتحمل مسؤولية منظومة تعليمية مُتكاملة، وفي ذلك دلالة محفِّزة لجميع الطّلبة، من مختلف طبقات المجتمع.
وهنا لا تكمن دلالة المشهد في أن وزير التّربية والتعليم يَركبُ حافلة مدرسية فحسب، وإنّما في المسافة التي قطعها الوزير من موقع المسؤول إلى مساحة الطَّالِب اليومية، التي كانت يوماً ما محطة أولى من محطّات مسيرته العلمية والمهنية.
فالوزارة تستطيع أن تَضع لوائح السّلامة، وتصدر التّعليمات، وتُدرب السائقين، وتُراقب الخدمات، ولكن الركوب بالحافلة يمنح المسؤول فرصة مختلفة لرؤية التفاصيل كما يعيشها الطَّالِب نفسه، كما يمنح الطَّالِب البعد الإنساني والأبوي.
لذلك فإن أهمية هذه التَّجربة والمبادرة ليست مجرد ركوب حافلة مدرسية واصطحاب الطلّبة إلى مدرستهم، وإنما في تحويل المسؤولية المؤسسية إلى حضور ميداني وإنساني مباشر، يحمل رسالة إلى الطَّالِب تَتجاوز مَعَانيها الكَلِمات، لِتُرسِّخ في نفسه ووِجدانِه أنت مَرئي، أنت مُهِم، وسلامتك وراحتك وجميع احتياجاتُكَ جزء من مسؤولية المَنظومة التَّعليمية بمملكتِنا الحبيبة البحرين.ِ