في السابع والعشرين من سبتمبر من كل عام، يحتفي العالم باليوم العالمي للسياحة، وهي مناسبة تذكّر بأهمية هذا القطاع بوصفه أحد محركات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومجالاً لخلق فرص العمل وتشجيع الاستثمار وتعزيز التواصل بين الشعوب، إلى جانب دوره في صون الهوية الثقافية وتعريف العالم بخصوصية المجتمعات. وفي مملكة البحرين، تحمل هذه المناسبة معنى يتجاوز مفهوم السياحة بوصفها نشاطاً اقتصادياً؛ فهي ترتبط بصورة الوطن وذاكرته، وتفتح نافذة يطل من خلالها العالم على البحرين وإنسانها وقصتها التي تشكلت عبر عقود من الانفتاح والتواصل.
مملكة البحرين، رغم صغر مساحتها، تمتلك تنوعاً يمنح قطاعها السياحي مساحة واسعة للنمو والتجدد، من المواقع التاريخية والثقافية إلى الواجهات البحرية، والفعاليات والمعارض والمؤتمرات، والتجارب الترفيهية والعائلية، والتسوق والمطاعم، وغيرها من الأنماط التي تجعل من السياحة صناعة متكاملة. وهذه المقومات لا تكمن قيمتها في وجودها فحسب، وإنما في القدرة على تقديمها بصورة حديثة ومبتكرة تجعل من زيارة البحرين تجربة تجمع بين المعرفة والمتعة والاكتشاف، وتمنح الزائر تفاصيل تستحق أن تبقى في الذاكرة. فالسياحة اليوم لم تعد مجرد زيارة لموقع أو إقامة في فندق، وإنما أصبحت منظومة متكاملة تبدأ منذ اللحظة التي يفكر فيها الزائر في اختيار وجهته، وتستمر منذ وصوله إلى المملكة، مروراً بسهولة التنقل وجودة الخدمات وحسن الاستقبال وتنوع التجارب والفعاليات، وصولاً إلى الصورة التي يحملها معه بعد مغادرته. فالزائر لا يتذكر المكان وحده، وإنما يتذكر التفاصيل والمشاعر والوجوه والقصص التي عاشها، ومن هنا فإن السياحة ترتبط في الوقت ذاته بالمكان والإنسان والاقتصاد والصورة الوطنية.
وقد حظي القطاع السياحي باهتمام متواصل في مسيرة التنمية وتنويع الاقتصاد الوطني، في ظل توجيهات حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، وحرص جلالته على تعزيز مكانة مملكة البحرين كوجهة جاذبة للزوار والاستثمارات والفعاليات، والاستفادة من مقوماتها وإمكاناتها بما يدعم مسيرة التنمية المستدامة. كما يحظى القطاع باهتمام ومتابعة من صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، في إطار جهود الحكومة لتطوير القطاعات الاقتصادية الواعدة، وتعزيز تنافسية المملكة، وتهيئة البيئة الداعمة للاستثمار والسياحة والأعمال. وقد انعكس ذلك في تنوع الأنشطة والفعاليات وتطور البنية المرتبطة بالحركة السياحية، بما جعل القطاع جزءاً من منظومة الاقتصاد الوطني.
وتكتسب سياحة المعارض والمؤتمرات أهمية خاصة في هذه المسيرة؛ فهي لا تستقطب المشاركين والزوار فحسب، وإنما تحرك منظومة اقتصادية واسعة تمتد إلى الفنادق والمطاعم ووسائل النقل والأسواق والمؤسسات الصغيرة ومقدمي الخدمات. كما أن الفعالية الناجحة قد تكون مدخلاً لاكتشاف جوانب أخرى من المملكة؛ فالزائر الذي يأتي للمشاركة في مؤتمر أو معرض قد يمدد إقامته لاكتشاف المعالم التاريخية والأسواق والمطاعم والواجهات البحرية، أو يعود إليها مع أسرته، أو ينقل تجربته إلى محيطه. وهكذا تتداخل سياحة الأعمال والمؤتمرات مع السياحة الثقافية والترفيهية والتسوق والطعام، لتصبح الفعاليات مساحة للتعريف بالمملكة وإمكاناتها المتنوعة، وجسراً يصل بين السياحة والاقتصاد والاستثمار والعلاقات الإنسانية.
ويظل تنوع المنتج السياحي عنصراً أساسياً في حيوية القطاع؛ فالسياحة الثقافية والتراثية تستند إلى تاريخ البحرين وإرثها الحضاري، والسياحة البحرية تستفيد من موقع المملكة وطبيعتها الساحلية، والسياحة العائلية ترتبط بتنوع الفعاليات والتجارب المناسبة لمختلف الأعمار، فيما تمنح سياحة الأعمال والمؤتمرات المملكة حضوراً متواصلاً على خارطة الفعاليات الدولية. وتأتي سياحة التسوق والمطاعم والتجارب الترفيهية لتضيف أبعاداً أخرى إلى تجربة الزائر، بينما تكتسب السياحة التجريبية أهمية متزايدة لأنها تمنح الزائر فرصة للتفاعل مع المكان والثقافة والمجتمع بدل الاكتفاء بمشاهدته. وفي قلب هذه المنظومة، يبقى الإنسان البحريني أحد أهم عناصر القوة السياحية؛ فحسن التعامل والكرم والابتسامة المشرقة والقدرة على التواصل وروح الترحيب التي عُرفت بها البحرين، قد تكون أحياناً أكثر تأثيراً من أي حملة ترويجية. فالمكان قد يجذب الزائر، لكن الإنسان هو الذي يمنحه الشعور بالترحاب، والتجربة هي التي تجعله يحتفظ بذكرى جميلة عن المكان.
وتبرز كذلك السياحة المستدامة بوصفها مفهوماً يرتبط بالحفاظ على الموارد الطبيعية والتراثية والثقافية، مع تحقيق قيمة اقتصادية واجتماعية مستمرة للمجتمع. وفي مملكة البحرين، تتقاطع هذه الرؤية مع طبيعة المقومات السياحية التي تجمع بين المواقع التاريخية والبحرية والثقافية والفعاليات الحديثة، بما يجعل السياحة جزءاً من منظومة أوسع تتصل بالحفاظ على الهوية، وتنشيط الاقتصاد المحلي، ودعم المؤسسات والمشروعات المرتبطة بالقطاع. كما أصبحت السياحة الرقمية عنصراً حاضراً في صناعة القرار السياحي، إذ يتعرف الزائر على الوجهة من خلال المنصات الرقمية والصور والمقاطع والتجارب المنشورة، وأصبحت الصورة التي تقدمها الوجهة في العالم الرقمي جزءاً من هويتها السياحية الحديثة.
ولا يمكن الحديث عن السياحة الحديثة من دون الحديث عن الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي؛ فقد أصبحت الصورة والقصة أدوات مؤثرة في صناعة الوجهات السياحية، وأصبح كل مواطن ومقيم قادراً على أن يكون جزءاً من الصورة التي تصل عن البحرين إلى العالم. فالتعريف بالوطن مسؤولية مجتمعية، تبدأ من معرفة أبنائه بتاريخه وتراثه ومواقعه ومقوماته، وتمتد إلى نقل هذه المعرفة بصورة جميلة وصادقة للآخرين. وقد تسهم صورة لموقع تاريخي، أو مشاركة في فعالية وطنية، أو قصة عن مكان بحريني، في فتح نافذة جديدة على المملكة وتعريف الآخرين بجمالها وتنوعها. ومن هنا تتكامل مسؤولية الإعلام مع دور المجتمع والمؤسسات التعليمية والشباب والقطاع الأكاديمي والقطاع الخاص في إبراز هوية البحرين السياحية، وصناعة محتوى يعكس خصوصية المجتمع البحريني ويقدم للعالم صورة عصرية عن وطن يمتلك تاريخاً غنياً وحاضراً متجدداً.
وتحظى السياحة الداخلية بمكانة خاصة في المشهد السياحي؛ فهي ترتبط باكتشاف تفاصيل الوطن وتعزيز المعرفة بتاريخه وتراثه، كما تنشط الحركة الاقتصادية المرتبطة بالفعاليات والمطاعم والأسواق والمشروعات الصغيرة والأسر المنتجة والحرفيين ومقدمي الخدمات. وقد أسهمت فعاليات مثل «هوى المنامة» و«ليالي المحرق» و«القرية التراثية» في إبراز روح المدن وتاريخها وتراثها، وإتاحة التعرف على الحرف والعادات والتقاليد في أجواء تفاعلية. وتؤكد مثل هذه الفعاليات أن السياحة الداخلية ليست مجرد حركة للزوار داخل المملكة، وإنما مساحة لاكتشاف تفاصيل المكان والذاكرة والهوية، وإعادة قراءة المدن والأحياء والأسواق والمواقع التاريخية من منظور مختلف.
أما تجربتي الشخصية مع السياحة، فقد بدأت منذ سنوات عملي في وزارة الإعلام، في إدارة السياحة والآثار، حيث توليت مسؤولية رئاسة قسم التراخيص السياحية، وهي تجربة أتاحت لي التعرف عن قرب على طبيعة النشاط السياحي والمنشآت ومتطلبات تنظيم القطاع. ثم انتقلت بهذه الخبرة إلى جامعة البحرين، حيث قمت في الفترة المسائية بتدريس عدد من المواد السياحية، من بينها التشريعات السياحية، ومدخل إلى السياحة والسفر، والتنمية السياحية، إلى جانب اهتمامي بتوثيق تاريخ السياحة وتطورها في المملكة، وتأليف كتاب «تاريخ السياحة وتطورها في البحرين». وقد جعلتني هذه الرحلة المهنية والأكاديمية أكثر إيماناً بأن السياحة ليست نشاطاً عابراً، ولا موسماً ينتهي بانتهاء فعالية، وإنما قطاع يرتبط بالاقتصاد والهوية والمستقبل. وأشعر بالاعتزاز بأنني كنت جزءاً من مسيرة السياحة في مراحل مختلفة، من العمل التنظيمي إلى المجال الأكاديمي والتوثيقي، وهي تجربة عززت لدي قناعة راسخة بثراء المقومات السياحية في مملكة البحرين وتنوعها وقدرتها على تقديم تجارب تجمع بين أصالة المكان وحداثة الحياة.
وتتداخل في منظومة السياحة جهود المؤسسات والجهات المعنية بالقطاع، إلى جانب دور المنشآت الفندقية والمطاعم ومنظمي الفعاليات والأدلاء السياحيين ورواد الأعمال والمشروعات الصغيرة، بما يسهم في تنوع التجارب التي تقدم للزائر. كما تشكل المعارض والمؤتمرات والفعاليات الثقافية والترفيهية جزءاً من الحركة السياحية، وتوفر مساحات للتعرف على مملكة البحرين ومقوماتها التاريخية والثقافية والاقتصادية، وتربط بين النشاط السياحي ومختلف القطاعات والخدمات المرتبطة به.
إن السياحة في مملكة البحرين ليست مجرد أرقام للزوار أو عدد للمنشآت والفعاليات، وإنما صورة متكاملة لوطن يمتلك تاريخاً عريقاً، وتراثاً غنياً، وموقعاً مميزاً، ومجتمعاً منفتحاً، واقتصاداً متنوعاً، وتجربة إنسانية قادرة على ترك أثر في ذاكرة من يزورها. وهي كذلك مساحة يلتقي فيها الماضي بالحاضر، والتراث بالحداثة، والاقتصاد بالثقافة، والإنسان بالمكان. وكلما تنوعت التجارب السياحية وتكاملت عناصرها، أصبحت الحكاية البحرينية أكثر حضوراً وقدرة على الوصول إلى العالم.
وفي اليوم العالمي للسياحة، تبدو البحرين بما تمتلكه من مواقع تاريخية وثقافية وواجهات بحرية وفعاليات ومؤتمرات وتجارب عائلية وترفيهية وتراثية أمام صورة سياحية غنية ومتنوعة. فهنا تاريخ اللؤلؤ، ومسارات التراث، والأسواق القديمة، والعمارة، والمتاحف، والمواقع البحرية، والمطاعم والمقاهي، والفعاليات والمعارض، وكلها تشكل فصولاً متعددة من حكاية واحدة. حكاية وطن صغير في مساحته، كبير في تاريخه، غني بإنسانه، ومتجدد في تجربته.
إن دعم السياحة هو دعم للاقتصاد الوطني، وللمؤسسات الصغيرة، وللشباب، وللحرف والمهن والخدمات المرتبطة بالقطاع، ولصورة البحرين في العالم. وفي اليوم العالمي للسياحة، تظل الرسالة الأهم أن البحرين تستحق أن تُكتشف من أبنائها أولاً ومن زوارها ثانياً؛ فلنزُر مواقعنا، ونشارك في فعالياتنا، وندعم مشروعاتنا الوطنية، ونعرّف الآخرين بما تقدمه المملكة من تجارب سياحية وإنسانية ثرية. فكل زيارة يمكن أن تتحول إلى معرفة، وكل تجربة إلى ذاكرة، وكل زائر إلى شاهد على جمال المكان وثراء الحكاية.
فلندعم سياحتنا، ونكتشف وطننا، ونعرّف العالم به؛ لأن السائح قد يأتي إلى البحرين بحثاً عن مكان، لكنه حين يعيش تفاصيلها، يغادر وهو يحمل حكاية وطن.. والأوطان التي تمنح زائرها حكاية جميلة، تبقى في الذاكرة ولا تُنسى.
* مستشار إعلامي وعلاقات مؤسسية